وينبغي أن يعلم أن اليهود والنصارى وإن كانوا أكثر أهل الأرض إلا أنهم أكثر الأمم ظهورًا للحجة, وأشد الناس عقوبة عند الله جل وعلا؛ وذلك لأن العقوبة إنما تكون مع ظهور الحجة، فإذا ظهرت الحجة لدى الإنسان فإن عقوبة الآمر له أكثر من غيره، بخلاف الشخص الذي وقع لديه شيء من اللبس في القول فإن الإنسان لا يعاقبه؛ فإن السيد إذا أراد أن يعاقب عبده فإذا كان أمره ظاهرًا عليه ويعلم أن الحجة قد قامت عليه كان عقابه له أشد, وإذا كان قد وقع لبس في فهم أمر السيد عند العبد فإنه لا يُنزل عليه العقاب كغيره, وإن كان قد طرأ عليه شيء من التقصير في ذلك باعتبار التباين, وأهل الكتاب ظهر لهم الحق، وعرفوا أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يجدونه متلوًا عندهم في التوراة والإنجيل، ومع ذلك كفروا به وعاندوا الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وناداهم الله جل وعلا باتباع الحق وأن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وأن يأتوا إلى كلمة سواء ألا يعبدوا إلا الله وألا يشركوا مع الله جل وعلا شيئًا, فكفروا بالله سبحانه وتعالى وعاندوا مع جملة من النداءات والخصائص التي ناداهم الله جل وعلا بها, وهذا يجعلهم في عداد غيرهم من أهل الكفر في وجوب المحاربة وكذلك أيضًا المقاتلة حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون, على الضوابط والشروط التي تقدم الكلام عليها، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العموم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: (أمرت أن قاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها) ، وهذا القتال عام، ويستثنى منه أخذ الجزية باعتبار أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يشهدوا ألا إله إلا الله) , أن هذا من خصائص المشركين على قول جماعة من العلماء, وهو مذهب الشافعية وكذلك الحنابلة, أنهم لا يؤخذ منهم الجزية على