إذًا: لبس الحق بالباطل، وقلب المعنى عن مراد الله، ولو كان أصل الدليل من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إحداث فتنة في الأمة ينبغي للأمة أن تكون على بينة وبصيرة منه، كذلك أيضًا ينبغي أن نعلم أن هذا النوع هو أعظم ما يتصدى له العلماء، ويأتي الكلام عليه في مسألة الموقف من هذه الفتن، وهي على مراتب متعددة منها ما يبتلى به العامي، ومنها ما يبتلى به أهل الإيمان الخلص، ومنها ما يبتلى به أهل العلم، ومنها ما يبتلى به العباد الصالحون، ولهذا هي على مراتب متنوعة، النجاة من سائر أنواع الفتن هي البصيرة بالعلم كتابًا وسنة. إذا أردنا أن ننظر إلى ما استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام من أمر الفتنة وما أخبر به من تكاثر الفتنة في آخر الزمان نجد أن الله جل وعلا يربطها بنقص العلم وظهور الجهل، كذلك أيضًا في ظاهر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة) ، وجاء في رواية: (إن من أشراط الساعة أن يقبض العلم ويكثر الهرج، ويفشو الزنا، ويظهر الجهل، وتكثر الفتن) ، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن ظهور الفتن مرتبط مع قبض العلم، فإذا قبض العلم من جهة الحقيقة، أو قبض العلم من جهة البيان فإن الفتنة حينئذٍ تظهر في الناس بجميع أنواعها، فيبتلى الناس ويحدث تغير فيهم، يرتكبون البدعة ويظنون أنها سنة، ويرتكبون السنة ويظنون أنها من البدع، ويسمون أشياء على خلاف أسمائها، ولهذا نقول: إن المعنى العام للفتنة قد يتحقق في قلب المعاني، قلب المعاني من جهة الحقيقة والمعنى هي داخلة في سائر هذه الأنواع. كذلك أيضًا ينبغي أن نعلم أن الفتنة في تغير الحقائق التي وضعها الله سبحانه وتعالى، كذلك الحقائق العقلية الفطرية إذا بدلت فقد فتن الناس فيها.