أعظم هذه المراتب ظهورًا: أن الخير إذا أعطاه الله جل وعلا الإنسان فصرفه ذلك الخير عن شيء من معاني الحق فإن هذا من الفتنة التي يقع فيها الإنسان، كأن يكون الإنسان مثلًا مصليًا صائمًا قائمًا، فرزق مالًا، أو رزق ذرية، فقلت عبادته وقلت دعوته، أو قل إيمانه، أو قلت صلاته، أو قل تسبيحه وذكره، فهذا نوع من الافتتان الذي يقع فيه الإنسان. النبي عليه الصلاة والسلام قد مر به كما جاء في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا على المنبر، فقدم الحسن والحسين يعثران وعليهما ثوبان أحمران يعثران بثوبيهما، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما عليه، فقال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] ) ، هذا المقدار من الفتنة ما الذي قصده النبي عليه الصلاة والسلام؟ قصده أن ثمة قدرًا لا يدركه إلا من هو في مقام النبوة أو من ورثة الأنبياء، وهو الذي يدرك معنى دقيقًا يصرف الإنسان عن شيء فاضل إلى شيء مفضول، فالنبي عليه الصلاة والسلام نزل إلى الحسن والحسين وترك الخطبة، وهذا معنى دقيق لا يفوت خيرًا فإن الصحابة ينتظرون، ولكن هذا المعنى الدقيق هو الذي أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد ابتلي به وفتن عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قد يفتن نبيًا من أنبيائه، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34] .