فهرس الكتاب
والفتنة تقع على النبي كما تقع على غيره، ولكن مقدار الفتنة على النبي أمر دقيق يدركه النبي من جهة إدراك معناه، ومن جهة أثره عليه، ولو كان أمرًا دقيقًا، مثل هذا الأمر لو وقع من آحاد الناس ولو من العباد لما أدرك معناه، ولكن النبي عله الصلاة والسلام لما كان الكمل من العباد يدركون أن فتنتهم في ذلك هو أن يصرف عن معنى فاضل، ولو لمعنى دقيق، أو لحظات يسيرة إلى شيء مفضول، ولو كان ذلك في ذاته له معنى من جهة الحقيقة. بعض الناس وخاصة المتعلمين أو المثقفين ونحو ذلك، في أبواب الفاضل والمفضول يقعون في الفتنة ويتلبسون فيها كثيرًا، وسبب الوقوع في الفتنة هو الجهل بين حقائق الأشياء، الأشياء بينها حقيقة إذا جهل الإنسان أحدها وقع في الفتنة؛ لأنه جهل المقدار الفارق بين الشيئين، والمقدار الفارق بين الحقيقتين يجعل الإنسان يقدم إحداهما على الأخرى ربما لحظ خارج عن تلك الحقيقتين، ويظن أنه نظر إلى الحق متجردًا، وهذا من المعاني التي ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة فيها. العلماء يفتنون، الصالحون، طلاب العلم، مهما بلغ الإنسان من العلم ربما يفتن بشيء من أنواع الفتنة، وسبب ذلك أن الإنسان ينصرف أو يستجلب، أو ربما يستدعي الشيطان لديه النصوص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل شيء بذاته بعيدًا عن مقارنته بغيره، في أيهما أفضل زمانًا ومكانًا وحقيقة، ثم يقدم غيره إذا فصله عن تركيبته تلك، فيقدم غيره فيقع في شيء من الافتتان لا يدركه الإنسان، وإذا نظر إلى ما قدم، ونظر إلى النصوص من الكتاب والسنة سلى نفسه أنه مشغول بشيء من الصالحات، أو مشغول بشيء من المعاني العظيمة الجليلة، وقد ورد فيها كذا وورد فيها كذا، هذا نوع من تلبيس إبليس على العلماء وعلى المثقفين، وعلى أهل المعرفة والعقل والدراية، لهذا نقول: إن أنواع الفتنة على مراتب متعددة، ولهذا الإنسان يبلى بالفتنة أيًا كانت مرتبته.