فهرس الكتاب
كذلك أن من أصول مسائل القياس أن الفرع يلحق بالأصل إذا كانت العلة محل اتفاق وأن لا تكون محل خلاف، وإذا كانت محل خلاف فلا يعتد بمثل هذا القياس؛ لأن القياس إنما هو محل اتفاق عند عامة العلماء؛ فلا يقبل قياس قد اختلف في علته عند العلماء. والصواب في ذلك أنه يعتد بالبلد الذي قد انتقل إليه وإلى رؤيته، وهذا ظاهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما جاء عن السلف، من ذلك ما رواه الإمام مسلم عليه رحمة الله تعالى في صحيحه من حديث كريب مولى عبد الله بن عباس أن أم الفضل أرسلت به إلى الشام قال: فدخل عليّ رمضان في الشام، فرأيت الهلال ورآه الناس وصاموه، وذلك في خلافة معاوية عليه رحمة الله ورضوان الله تعالى، قال: ثم ارتحلت إلى المدينة فلقيني ابن عباس فسألني وقال: أرأيت الهلال وصام الناس؟ قال: نعم، صمت مع الناس، رأيناه ليلة الجمعة، فقال ابن عباس: إنا قد رأينا الهلال ليلة السبت فقال ابن عباس لكريب: أأنت رأيت الهلال؟ قال: نعم، رأيته، ورآه الناس، وصامه الناس، وصامه معاوية عليه رضوان الله تعالى، فقال كريب لعبد الله بن عباس: ألا نصوم على صيام معاوية؟! قال: لا، هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا في حكم المرفوع، بل هو مقطوع به، وهو أن العبرة بحال انتقال الإنسان إلى البلد الذي ينتقل إليه، ورؤية الهلال فيه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) . وذهب بعض الفقهاء -وهو قول لبعض الفقهاء من الشافعية وهو الصحيح في مذهبهم، وذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من الحنابلة- إلى أن العبرة بالبلد الذي قد رأى فيه الهلال، وشهد فيه الصيام، وهذا قول مرجوح.
ومن المسائل النازلة في هذا الباب: مسألة الإمساك للصائم في الطائرة حينما يصوم على اليابسة، ثم يرتفع ويرى الشمس.