حوصر النبي عليه الصلاة والسلام في شعب مكة ثلاث سنين كما رواه ابن إسحاق في كتابه السيرة, وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام، وطلقت بنتاه حينما كانتا تحت ابني أبي لهب؛ خوفًا من معرة ذلك الرجل الذي يسمونه صابئًا، ثم طرد النبي من خير البقاع وأحبها إليه؛ فخرج عليه الصلاة والسلام متألمًا من ذلك المكان المحبوب، ولم يبق الأمر على هذا؛ فقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناضل؛ حملًا لهذا الدين، وحفظًا لكرامة أتباعه من أن ينالهم شيء؛ لم يشارك النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة إلا في دينها، وأما ما يتعلق في أمر دنياها فما أخذ من ذلك إلا كفافًا، وقد جاءه عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالىأبيأ ووجده على حصير قد أثر فيه، فقال له عمر بن الخطاب عليه رضوان الله: يا رسول الله! لم لا نتخذ لك وطأة تتكأ عليها تقي جنبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كرجل استظل بظل شجرة، ثم ذهب وتركها) ، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكبي فقال لي: (يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، قال: فكان عبد الله بن عمر عليه رضوان الله يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. ما انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، ضُرب وشج وعيّر وسب وصودر ماله كله بمكة، وما بقي له شيء من الدنيا، وحمل بكفيه دنيا الناس ودينهم؛ حتى يقدمها إليهم وهذا فيه إشارة إلى أن كرامة البشر وفطرتهم إذا أرادوا أن يدينوا للفطرة التي توجد في قلوبهم ما من أحد انضوى تحت لواء الإسلام -ولو كان غير مسلم- إلا ولهذا الرجل العظيم فضل عليه وكرامة؛ وذلك بما جعل الله عز وجل من ذلك من أمن وأمان وحماية لبيضة الإسلام؛ أن لا يستبيحها عدو وكذلك ترك الدنيا ونزعها كما ينزع الإنسان الرداء، وجعله لأمته من بعده.