وأما من وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الهمز واللمز والاستهزاء على أي مرتبة من مراتب الاستهزاء فيتفق العلماء أن ذلك كفر، وأن فاعله يقتل، بل إنه أشد من ذلك أن من وقع في عرض امرأة نبي فقد كفر بالله ولو كانت امرأته كافرة كما في امرأة نوح ولوط؛ وذلك أن من طعن في امرأة نبي ولو كانت كافرة، فإنه يلزم في ذلك أن إقرار النبي لخروج امرأته عن حصانة فرجها أن ذلك نوع من الدياثة؛ فإن الله عز وجل يقدر لبعض أزواج أنبيائه الكفر، ولكنه لا يقدر لهن الفاحشة؛ ولهذا من طعن في عرض امرأة نبي من الأنبياء فإنه كافر ولو كانت كافرة بذاتها، فكيف الوقوع في عرض امرأة نبي، وهذه المرأة تكون من أمهات المؤمنين؟! أجمع العلماء عليهم رحمة الله وحكى الإجماع على ذلك غير واحد أن من وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عرّض به لمزًا أو استهزاءً أو تنقص بأي عبارة أو إشارة بيده تفيد التنقص أن ذلك كفر خارج من الملة، حكى الإجماع على ذلك جماعة كإسحاق بن راهويه، وابن عبد البر، وابن منذر، وقبلهم كذلك الشافعي عليه رحمه الله، وحكاه كذلك النووي، وغيرهم من أئمة الإسلام. وأجمع العلماء على أن من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن حده القتل، وإنما اختلفوا في باب الاستتابة، هل يستتاب أم يقتل من غير استتابة؟ ذهب عامة العلماء -وهو قول عامة السلف- إلى أنه لا يستتاب وإنما يقتل، وذهب إلى هذا جماعة، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله، وقول الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأئمة الإسلام، وهو عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك أيضًا ظاهر الأدلة المرفوعة كما يأتي بيانه بإذن الله. وذهب بعض العلماء إلى أنه: يستتاب، وأن توبته ورجوعه إنما تسقط عنه القتل ولا تسقط عنه العقوبة؛ فالعقوبة دون القتل إن تاب تأتي؛ وذلك لإبقاء حرمة النبوة.