فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 39

إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحفظ التاريخ أنه بعد بعثته باع سلعة، وإنما كان يشتري مستهلكًا عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأنه لا يريد أن تكمل الدنيا دورتها بيعًا وشراءً، إن اشترى شيئًا استهلكه وإلا أهداه لغيره، ففي هذا قطع لشك ما يدور في أذهان الناس من حب المرابحة والتكسب فيها؛ ولهذا من نظر في كتب المعاملات في كتب السنة، وكذلك ما جاء من أخبار عنه عليه الصلاة والسلام -ولو كانت من الضعاف- لا يحفظ التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته باع سلعة اشتراها أو أهديت إليه، وإنما كان يشتري لحظ نفسه، إما استهلك وإما بذلها حتى داره كما جاء عن الحسن كما روى البخاري في الأدب المفرد قال: دخلت حجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وإن سقفها ليمس رأسي؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جعل موضعه كمواضع الملوك، وإنما كان موضعًا يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد من الدنيا، وما ناضل لرياسة ولا جاه، وإنما أراد ان يحفظ على الناس دينهم، وأن يحفظ كذلك عليهم دنياهم.

النبي صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس في أمر الدنيا لحظ نفسه، وأحرص الناس على الدنيا فيما يتعلق في حق الناس، أتته بريرة كما جاء في الصحيحين وغيرهما فقالت: يا رسول الله! إن أهلي كاتبوني على أن أعطيهم كذا وكذا، وأن الولاء لهم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كانت مائة شرط) ، وفي هذا ينبغي للعالم أن ينتصر لدنيا الناس كما ينتصر لدينهم حمية وحفظًا؛ لأن الله عز وجل إنما جعله حاميًا لحق الناس في الدنيا كما هو يحمي أيضًا أمر دينهم؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أهل الحياطة لدنيا الناس، كما هو عليه الصلاة والسلام من أهل الحياطة لدينهم عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت