فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 39

وقد مال إلى الاستتابة في ذلك بعض الفقهاء، وهو قول أبي حنيفة، وذهب إليه بعض الفقهاء من أصحابه، ورواية أخرى عن أبي حنيفة كقول جماهير العلماء إلى أنه: يقتل بلا استتابة.

وأما من ظهر منه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يملك حق إقامة قتله؟! فنقول إن هذه المسألة لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: من ظهر استهزاؤه ظاهرًا بينًا؛ فالأمر يتفق عليه العلماء أن ذلك واجب على ولي الأمر أن يقيم الحد عليه قتلًا، وهذا كما تقدم الإشارة إليه هو قول عامة السلف، وهو قول جماهير الفقهاء، وأنه حتى وإن تاب فإن ذلك لا يسقط العقوبة التي هي دون القتل؛ وذلك لحرمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الحالة الثانية: إذا بادر أحد من المسلمين بقتل من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، وخالف ولي الأمر؛ فنقول: إنه قام بقتل أحد يستحق القتل، وأما بالنسبة لمخالفته لولي الأمر؛ فإن في ذلك ذنبًا؛ لمخالفته وافتئاته على ولي الأمر، إلا أنه لا يجوز لولي الأمر أن يريق دمه؛ لأنه أراق دم من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم. روى أبو داود في كتابه السنن -وهذا دليل على هذه المسألة- من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلًا أعمى عنده أم ولد وعنده منها ولدان، فكانت تقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فلما كان في ليلة من الليالي وقعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وشتمته، فكان يزجرها وينهاها ولا تزدجر؛ فوضع المعول وجاء في لفظ المغول على صدرها فتحامل عليها، وهو رجل أعمى فقتلها، فتحدث الناس فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والخبر في ذلك طويل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله! إنها تقع فيك وأزجرها وأنهاها فلا تنتهي ولا تزدجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهدكم أن دمها هدر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت