فقد جعله الله رسولًا للناس كافة، وأما من سبقه من الأنبياء فقد كانوا لقومهم خاصة؛ فلما كان النبي للناس كافة كانت الفتوحات، وكذلك تهيئة الأسباب القدرية من الأمور التي تتوافق مع الحكم الشرعية في هذا؛ لهذا كانت الفتوحات ممتدة على أيدي أصحابه، ففتحوا العراق والشام وفارس، ومصر وبلاد إفريقية، وشيئًا من أطراف شرق آسيا، وذلك في القرن الأول. وهذا لا يمكن أن يكون انتشارًا لا لرأي ولا لعقيدة مهما كان انبثاقها من جهة النظريات العقلية أو الفلسفات، أو كذلك أيضًا العقائد التي تنتسب ولو كانت إلى شيء من شرائع السماء السابقة. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإن الله أعطاني الكنزين) ، فأعطى الله عز وجل نبيه الكنوز التي كانت بأيدي الكافرين؛ بسبب ذلك الدين.
وكذلك من فضائل هذه الأمة التي كانت بسبب دعوة محمد صلى الله عليه وسلم: أن الأمة أجرها مضاعف يختلف عن غيره؛ فعمل الأمة من جهة الثواب عند الله في العبادة التي تتشابه مع غيرهم من الأنبياء أعظم ممن كان سابقًا لهم من اليهود والنصارى، فقد جاء في الصحيح من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن مثلكم ومثل الذين قبلكم -يعني: اليهود والنصارى- كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى صلاة الظهر على قيراط؟! فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط؟! فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين؟! فعملتم أنتم، فقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟! فقال: ذلك فضلي أؤتيه من أشاء) .