وفي هذا عبرة لكل حاكم وسلطان ولي شيئًا من أموال المسلمين أن أموال المسلمين ليست لأحد لا لآبائهم، ولا لذواتهم، وإنما ملك للمسلمين يعطي الله عز وجل ويهب عباده ما يشاء، وكذلك أن عامة الناس ربما يشدون على عالم أو مصلح أو سلطان في بعض حقوقهم؛ فيجب عليه أن ينصفهم فيما يعطيهم من أمر حقهم، وأنهم إن غضبوا حتى لأمر دينهم ما يجدون من لأواء الدنيا، عليه أن يصبر عليهم، وأن يقضي حاجتهم؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفرق بين الجاهل والمعاند، الجاهل الذي يظهر منه شيء من الجهالات الظاهرة في دين الله كان أرأف الناس به عليه الصلاة والسلام، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة وكذلك من حديث أنس بن مالك أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبال في طائفة المسجد، فزجره الصحابة، وأكثروا عليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزرموه، لا تزرموه، فلما قضى حاجته قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه المساجد إنما بنيت لذكر الله، وللصلاة، ولم تبن لهذا، فقال ذلك الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا) فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: (لقد حجرت واسعًا!) . وهذا ما يتعلق في أمر البول في أعظم وأطهر بقعة، وهي المساجد وأعظم وأشرف المواضع بعد المسجد الحرام: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لان معه في ذلك الخطاب؛ وذلك أنه إنما جاء طالبًا للحق؛ لهذا ينبغي للمعظم أن يلين مع الناس مهما كانت عظمته، أن يلين مع الناس إن طلبوا حقًا، إن كانوا يجهلون المقام، أو يجهلون بركة المواضع؛ فالأعراب جاؤوا ولا يفرقون بين الصحاري والبراري والفجاج والطرقات وبين الأماكن المعظمة والدواوين العامة؛ فلا يعلمون شيئًا يسمى مساجد؛ ولهذا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ وبين ذلك الأمر. كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحابي أحدًا حتى من قراباته عليه الصلاة والسلام.