إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض أعيان المنافقين، وكان يسكت عليهم عليه الصلاة والسلام؛ لمصالح يراها؛ لأنهم لم يكونوا يجاهرون، وإنما يعلمهم عليه الصلاة والسلام بلحن القول، ويعلمهم عليه الصلاة والسلام بوحي السماء؛ لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يقيم على أحد منهم حدًا بعلمه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أيضًا لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخذ منهم بطانة، ولم يظهرهم على المنابر والمجالس في مواضع الخطب ولا في مجالس العامة، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعلهم ينطوون تحت لواء عموم المسلمين. والمشاهد -للأسف الشديد- يرى في بلدان المسلمين تسنم كثير من المنافقين لكثير من منابر القول والقرار، هؤلاء لو كانوا في زمن النبوة والله ما نقصوا قدرًا عن منزلة عبد الله بن أبي، فهم يطعنون في دين الله ويتهكمون بكثير من أصول الإسلام، ويطعنون أيضًا في حملة الإسلام حملة إرث النبي صلى الله عليه وسلم من العلماء، ونعلم أن هدي المنافقين منذ الزمن الأول أنهم لا يجرؤون على مواجهة الإسلام باسمه، وإنما يواجهون رموزه؛ لأن الحامل إذا ضعف وتشوه ضعف المحمول وهي الرسالة؛ لأن النبي إنما يحمل رسالة، فإذا ضعف وتشوه ذلك المحمول تشوهت رسالته، كحال الإنسان حينما يتكلم في تاجر من التجار ويقوم بالقدح فيه وتشويه سمعته؛ فيقوم الناس بالتشكيك بتجارته أنه يغش الناس ولا يأتي بالجيد ونحو ذلك، وهذا من الأمور المعلومة؛ لهذا يطعنون في الرموز في الأنبياء والعلماء والأولياء، وغيرهم. كما طعن غيرهم من الباطنيين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طعنوا في الإسلام بذاته، أو في الكتاب في ذاته، أو في مقام النبوة، بل كل بحسبه، هذا يطعن في نبي، وهذا يطعن في ولي، وهذا يطعن في عالم؛ لأنهم أرادوا الإسلام، وما أرادوا تلك الأعيان.