وأمر الله عز وجل أيضًا الإنسان أن ينظر في نفسه: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] ، وهذه يتعرف بها الإنسان على ماذا؟ على الله سبحانه وتعالى، ولو لم يره أو لم يعرفه بصفاته؛ ولهذا تقول العرب: الأثر يدل على المسير، وقد جاء عن بعض الملاحدة أنه جاء إلى بعض الأئمة فقال له: بماذا تعرف خالقك أو تثبت خالقك؟ فقال: ائذن لي بالتفكر، أو أني مشغول بسفينة في البحر فيها تجارة متوجهة إليّ وأخشى عليها الضياع، وأنتظر قدومها؛ فإنها لا ربان لها، قالوا: كيف لا ربان لها وتنتظر قدومها؟! قال: ويحكم! سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحر ذو أمواج، من يستطيع ذلك إلا اللطيف الخبير، يعني: إذا أنتم استكثرتم على سفينة أن تأتي فمن يسير هذه الأفلاك هذا المسير، على هذه الدقة المتناهية من أول الخليقة إلى يومنا؟ ولهذا نقل أهل الأدب أن أعرابيًا سئل كيف عرفت أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وأن الله عز وجل موجود؟ فقال لهم: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟ بلى يدل ذلك على اللطيف الخبير. فالإنسان في ذاته إذا رأى أثرًا ألا يعلم أن رجلًا مر من هنا، ألا يميز بالأثر يقول: هذا أثر صبي صغير، وهذا أثر كبير، وهذا أثر دابة، ويعرف ويميز الدابة، هذا خف الناقة وهذا حافر، وهذا أثر طير وغير ذلك، ألا يميز هذا أو لا يميزه؟ يميزه، وإذا أراد إنسان أن ينازعه إياه وقال: هذا ليس أثر البعير، وإنما هو أثر طائر، هل يستطيع أن يخالفه؟ هل يستطيع الإنسان أن يحلف على أن هذا أثر بعير أو أثر طائر؟ يميز أو لا يميز؟ يميز، وإذا خالفه أحد هل يحلف؟ لا يحلف.