وبالنظر في آراء الفقهاء في الحقوق الذهنية والمعنوية والفكرية فإنه -نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية والمدنية والثقافية الحديثة - ظهر ما يسمى بالحقوق المعنوية، فهل محل هذه الحقوق داخل في مسمى المال في الشريعة الإسلامية؟ اختلف الفقهاء في ذلك.
ويبدو لي أن جمهور الفقهاء: المالكية والشافعية والحنابلة: الذين لا يشترطون أن يكون محل الملك شيئًا ماديًا معينًا بذاته في الوجود الخارجي، بل هو كل ما يدخل في معنى المال من أعيان ومنافع، ومعياره أن يكون له قيمة بين الناس، ويباح الانتفاع به شرعًا - يذهبون إلى أن هذه الحقوق تُعَدُّ حقًا ماليًا متقومًا في ذاته، كالأعيان سواء بسواء، وتأسيسًا على ذلك ترد عليه العقود الناقلة للملكية، ويضمن بالغصب، بمعنى أنه تقرر مسؤولية غاصب مصادره ومطالبته بالتعويض، ويجري فيه الإرث على الجملة [1] .
وفي الحديث:"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [2] . فالعلم عمل، وهو مصدر للمنفعة شرعًا، يبقى أثرًا خالدًا بعد وفاة صاحبه. والعلوم الإلكترونية في التجارات داخلة في ذلك.
ففي الحديث: دلالة على أن العلم مصدر الانتفاع، وأن الانتفاع المستمر بإنتاج العالم، يكون استمرارًا لعمله الصالح الذي لا ينقطع بالموت، فالعلم هو مصدر للمنفعة شرعًا، يبقى أثرًا خالدًا بعد وفاة صاحبه، وانهدام ملكته العلمية بالموت [3] .
والمال: ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة، ويُستنتج منه أن المنظور إليه في مالية الأشياء وليس هو عينية الشيء المادي، بل منفعته وأثره، فإن ما لا منفعة فيه، ليس بمال، أي ولو كان شيئًا عينيًا، فمناط المالية - إذن- هو المنفعة لا العينية.
(1) انظر: تحفة الفقهاء: لعلاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي ت 553 هـ، 3/ 440، ط دار الفكر، دمشق، والبدائع 6/ 189، وحاشية ابن عابدين 5/ 52، والسيوطي، الأشباه والنظائر ص 197، والبهوتي، كشاف القناع ج 2 ص 156. ويطلق القانونيون على هذه الحقوق تسميات عدة: منها: الذهنية، والأدبية، والمعنوية والفكرية، والملكية الأدبية والفنية والصناعية، وحقوق الابتكار، انظر العبادي، الملكية 1/ 196، والسنن 1641.
(2) صحيح مسلم: 3/ 1255، كتاب الوصية حديث رقم 1613.
(3) انظر: حق الابتكار في الفقه الإسلامي ص 14.