المطلب الثالث
إباحة التجارة مع غير المسلمين
اختلف الفقهاء في حكم سفر المسلم للتجارة إلى غير بلاد الإسلام على قولين: -
القول الأول: إن كان المشركون أهل ذمة وينعزلون في بلد معين، فهذا البلد يُعدُّ من دار السلام، والسفر إليه جائز، بل يجوز المقام فيه للتجارة؛ لأنه جزء من دار السلام [1] ، والسفر إليها في أصله مكروه، إلا لغرض صحيح، مثل الدعوة، أو أداء رسالة، أو القيام بمهمة سفارة، أو تجارة، ونحو ذلك، فإنه يجوز السفر من أجلها، لكن بشرط أن يأمن على دينه، وأن يستطيع إظهاره، وألا تجري عليه أحكام الكفر، وهو الذي عليه جمهور الفقهاء من غير المالكية، واستدلوا على ما ذهبوا إليه: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث رسله إلى ديار أهل الحرب؛ ليؤدوا إليهم كتبه [2] ، أو ليتفاوضوا معهم حول علاقة- السلم والحرب [3] ، بل كان بعض الصحابة- يتاجر في ديار الحرب، مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد روت أم سلمة قالت:"خرج أبو بكر في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة" [4] .... وذكرت تمام القصة.
فالسفر لدار الحرب من أجل التجارة لا بأس به بالشرط الذي ذكرناه، هذا هو رأي جمهور الفقهاء [5] .
(1) انظر: ابن حزم، المحلى 13/ 140.
(2) راجع في هذا إن شئت ابن حجر: فتح الباري 8/ 126، وشرح النووي على صحيح مسلم 12/ 102 فما بعدها. دار الفكر - بيروت، وابن القيم في زاد المعاد 3/ 688 فما بعدها، وللمزيد يراجع: محمد حميد الله مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة -99 - 190، دار العلم - 1403 هـ
(3) وذلك كبعثه صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى قريش إبان خروجه إلى الحديبية، يفهمهم انه ما جاء للقتال انظر: ابن القيم زاد المعاد 3/ 290.
(4) رواه الإمام احمد في مسنده 6/ 316، المكتب الإسلامي 1405 هـ، وابن ماجه في سننه - كتاب الأدب - الباب 24 ص 1225، دار الجيل - بيروت، وانظر الهيثمي مجمع الزوائد 4/ 62، دار الكتاب العربي.
(5) انظر: الكاساني، بدائن الصنائع ج 6/ 135، وابن قدامة، المغني 10/ 602، وابن حزم المحلى 9/ 719، وابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم ص 229، مكتبة الرياض، والسعدي، الفتاوى السعدية ص 92 - 99، دار المعارف - الرياض.