فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 62

الفصل الرابع

حماية التجارة الإلكترونية

وفيه مبحثان

المبحث الأول

حماية التجارة الإلكترونية في الشريعة الإسلامية

لقد حمت الشريعة الإسلامية المعاملات التجارية من كل أنواع التدليس والكذب والغش، وحرمت كافة أنواع غسيل الأموال التجارية، وأوجبت وسائل السلامة في التعامل التجاري؛ حتى يكسب المال حلالًا - وهي أسس شرعية ينبغي أن يتحلى بها التاجر، وأوجبت طلب الإذن من صاحب العمل التجاري، والالتزام بالأمانة، والابتعاد عن الغش؛ للحديث"من غشنا فليس منا"، وضرورة التحلي بالأخلاق الحميدة المنبثقة من العقيدة الإسلامية، وضرورة ارتباط النية في البيع، والنزاهة والصدق والوفاء بالعقود التجارية، والابتعاد عن اليمين المنفقة للسلعة، والالتزام بالشروط العقدية [1] .

ولا شك أن نظرية العرض والطلب وعدم احتكار السلع أو الغش فيها أو غصبها أو سرقتها وتحري الجلب الصحيح والإنتاجية المباحة - تحقيقًا للمصلحة وإنعاشًا للسوق - من أولويات الأخلاق الفاضلة- للتاجر المسلم [2] ، كما أن سد الذرائع لمنع الأضرار والمفاسد التجارية مطلب مهم في العملية التجارية، وهي قواعد معدودة في الشرع الحنيف، وقد ورد النهي عن الضرر بشتى صوره وتحريم استعماله - استعمالًا مباشرًا أو نسبيًا، - ومن صور الضرر: الاحتكار، أو الدخول إلى مواقع إلكترونية والنسخ منها بغير إذن [3] ، أو البيع من دون موجب شرعي ويجب التحلي بالخلق النبيل، والالتزام بالعلامة التجارية الواضحة والاحتفاظ بملكيتها وتميزها عن المحل التجاري واستغلاله بوجه مشروع في التجارة الإلكترونية والبعد عن أساليب الحيل والخداع؛ وذلك حفاظًا على حقوق الأخوين من السرقات وإضاعة أموالهم بطرق غير مشروعة [4] .

ومن واجبات التجارة الإلكترونية في الشريعة الإسلامية: ترك الشبهات، والإعلانات الكاذبة، والصدق، والتبكير في التجارة، بالإضافة إلى السماحة في المعاملة، والتحلي بمعالي الأخلاق، وترك المشاحنة والتضييق على الناس، ووجوب دفع الزكاة المشروعة في سائر الأعمال التجارية وعروضها [5] .

وقد تجلت صور حماية الشريعة للمعاملات الإلكترونية بما نصت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في فتواها رقم (18453) في 2/ 1 /1417 هـ التي بينت فيها عدم جواز نسخ البرامج الحاسوبية التي يمنع أصحابها نسخها إلا بإذنهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم" [6] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل مال امريء، مسلم إلا بطيبة عن نفسه" [7] وقوله صلى الله عليه وسلم:"من سبق إلي مباح فهو أحق به" [8] سواء كان صاحب هذا البرنامج مسلمًا أم كافرًا غير حربي، لأن حق الكافر غير الحربي محترم كحق المسلم [9] ، ومعاملاته الإلكترونية - على وفق ما

(1) انظر ابن الحاج المدخل ج 4/ 91 - 93، النووي شرح صحيح مسلم ج 2/ 114، د. عابد سليمان الشوخي، أخلاقيات مهنة الوراقة في الحضارة الإسلامية ص 346، بحث منشور في مجلة جامعة الملك سعود م 15 سنة 1423 هـ.

(2) انظر ابن القيم، الطرق الحكمية ص 284، دار الفكر - بيروت، ود. محمد منصور المدخلي، أحكام الملكية ص 27 طبعة ثالثة - الرشد.

(3) انظر ابن فرحون، تبصرة الحكام ج 2/ 348، مطابع القاهرة 1406 هـ، والشاطبي الموافقات ج 4/ 199 والمراجع السابقة.

(4) د. وحي لقمان، العلامة التجارية وحق استغلالها، صحيفة الوطن السعودية ع 886 في 1 محرم 1424 هـ ص 24.

(5) انظر ابن حجر فتح الباري 4/ 290، المعرفة - بيروت، الكاساني بدائع الصنائع 2/ 20، والنووي روضة الطالبين 2/ 266، وابن قدامة المغني 2/ 30، والنووي في شرح مسلم ج 2/ 230، مالك المدونة 1/ 253.

(6) سبق تخريجه.

(7) أحمد في المسند رقم 19774.

(8) أبو داود، الخراج، باب إقطاع الأرضين.

(9) انظر د. عبد الرحمن السند، الأحكام الفقهية للتعاملات الإلكترونية ص 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت