الوجه الثاني: كذلك أيضًا فرق بين المساهم في شركة، وبين من أراد أن يخرج الحرام من ماله ليطيب له، توبة عن الكسب الحرام، فجواز التصرف في المال المختلط يصح في الصورة الثانية دون الأولى.
وهذا هو الذي يفهم من كلام شيخ الإسلام وابن القيم اللذين استدل بهما القائل بالجواز، فشيخ الإسلام يقول: «يميز قدر من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه» ، وابن القيم يقول: «يخرج مقدار الحرام ويحل له الباقي بلا كراهة» ، وهنا لابد من أمور:
1ـ إن هذا الكلام في شخص أراد أن يتوب، فإذا أراد ذلك فهكذا يفعل ليطيب له باقي ماله، وليس الكلام في شخص مستمر في التعامل بما لا يجوز من طرق الكسب، وإلا كان هذا تسويغًا أو شبهة تسويغ للمكاسب الفاسدة ببيان طرق التخلص منها. وشيخ الإسلام وابن القيم من أبعد الناس عن هذا، لكن جاء هذا من تنزل كلامهما على غير محله .
2 -فالذين يتكلمون عن هذه القضية من العلماء تكلموا عن رجل وقع في الحرام واختلط ماله الحلال بالمشتبه وأراد أن يبرئ ذمته فيخرج من ماله على قدر ما يظن بأن الحرام منه قد زال أما أولئك الذين أباحوا الأسهم المختلطة واحتجوا بإخراج النسبة المحرمة أوجه لهم سؤالًا:
أليس إخراجه للحرام دليلًا على أنه تاب إن كان عامدًا وبراءة ذمته إن كان جاهلًا؟ فمتى يتوب من ذنبه؟! وأنتم أبحتم له الاستمرار على هذا النهج أخلط الحلال بالحرام ثم أخرج ما تبرؤ به الذمة فمتى يتوب؟!. وما علم هؤلاء بأن الإصرار على المعصية معصية أخرى؟!
3 -إن من شروط التوبة الصحيحة الإقلاع عن الذنب وهو الشرط الأساسي للتوبة المقبولة، فالذي يرجع إلى الله وهو مقيم على الذنب لا يعد تائبًا، وفي قوله: «وتوبوا» إشارة إلى معنى الإقلاع عن المعصية؛ لأن النفس المتعلقة بالمعصية قلما تخلص في إقبالها على عمل الخير، لذلك كان على التائب أن يجاهد نفسه فيقتلع جذور المعاصي من قلبه، حتى تصبح نفسه قوية على الخير مقبلة عليه، نافرة عن الشر فتغلبه عليه بإذن الله تعالى .
4 -إن جماهير العلماء يرون أن من صحة التوبة أن يندم الإنسان على الذنب، ويقلع عنه، ويعزم عزمًا أكيدًا على عدم معاودته . وهؤلاء صححوا توبته بإخراج النسبةُ المحرمة وله العناد والاستمرار في دعم معاقل ـ الربا ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ.
5 -التخلص من المال الحرام بالتبرع به ليس بصدقة وإنما يكون بتوبة تعفي صاحبها من مسؤوليته عن الحرام إذا كان قد تورط فيه عن جهل أو تغرير، أو ما أشبه ذلك، أما أن يُقدم عليه طائعًا مختارًا طلبًا لفتات الدنيا، فهذا لا يعفيه من المسؤولية فيه التصدق به وحده؛ بل الصدقة والتوبة النصوح بشروطها التي سبق ذكرها: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما* وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا