ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتحرير، وما قدمناه من نصوص فقهية قد يكفي في القناعة بجواز تملك ذلك وبيعه وشرائه ما دام الغالب والأكثر فيها مباحًا .
مناقشة هذه القاعدة من وجوه:
1 -الاحتجاج بهذه القاعدة ليس على إطلاقه وإلا لانفتح باب من الشر يصعب إغلاقه.
كيف وقد عارض قول الرسول ×: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» .
فلو أُخذ بهذه القاعدة على إطلاقها لجاز القليل من الخمر إذا خُلط بعصير، ولا قائل به لأنه مردودٌ بحديث «ما أسكر كثيره» .
بل يلزم من يقول بهذه القاعدة على إطلاقها أن يجيز الطعام والمعجنات واللحوم التي وضع بها قليل من الخمر أو قليت بأدهان الخنزير؛ بل على ضوء هذه القاعدة يجوز للمسلم أن يُساهم مع أصحاب المحلات التجارية التي تبيع الدُخان ولحم الخنزير والخمور وآلات اللهو إذا كان الأصل بيع مواد صحية أو غذائية لا تعتبر هذه المحرمات ذات نسبة عالية بالنسبة لباقي مبيعات المحل فهل يقولون بهذا؟ فهذا لا قائل به من أهل العلم ولا يجوز الاحتجاج بهذه القاعدة خاصة وهي قاعدة محل خلاف، وكثير من تطبيقاتها لا يلتفت لها فهذا دليل عاطل كاسد في المسألة التي يدور الحديث عنها. والله المستعان.
2 -ولو فرضنا صحة الاحتجاج بهذه القاعدة مطلقًا فلا مجال للاحتجاج بها في قضية الأسهم فهم يقرون بأنه لا يجوز له الاحتفاظ بالمال الحرام وعليه أن يخرج النسبة المحرمة والقاعدة تقول خلاف ذلك، وهذا مسقط لهذا الدليل والله أعلم .
3 -ومما يورد على قولهم ويضعف حجتهم أن أصحاب هذا القول لا يرون جواز المساهمة في البنوك بدعوى أنها محرمة ربوية وهذا حسن ولا نختلف فيه. والناظر في حال البنوك الآن ودعوى «الأسلمة» القائمة على أشدها ـ لبعض أقسامها ـ يجد أن البنوك لو صحت دعوى أسلمتها ـ حالها كحال الشركات المختلطة حيث انحسرت ـ الآن ـ نسبة الربا في هذه البنوك المؤسلمة ـ فيها بشكل كبير كما يدعون. فلو فرضنا ـ جدلًا ـ صحة الدعوى القائمة بأسلمة البنوك فإنها ستكون على فتوى المجيزين للأسهم المختلطة ليست حرامًا بل يجوز على قول هؤلاء المساهمة فيها وإخراج النسبة المحرمة.
فهل يقول هؤلاء المجيزون بذلك كيف يفرقون بينها وبين ما أسموه بالأسهم المختلطة خاصة ونحن نرى أن كافة البنوك قد نهجت منهج الأسلمة «مع التحفظ الشديد على هذه الدعوى» .
فهل هذا يدعو لجواز المساهمة بها و اعتبارها مختلطة، فقد يحتج أهل هذه البنوك بأن الربا ليس كل أعمالهم بل إن عندهم معاملات مباحة فكيف يجاب عن ذلك؟!
الدليل السادس: ومن الأدلة التي أُحتج بها وهو دليلٌ من الواقع: أننا - نحن المسلمين اليوم - لا نعيش عصرًا يطبق فيه المنهج الإسلامي بكامله، فيسوده نظام الإسلام السياسي، والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وإنما نعيش في عصر يسوده النظام الرأسمالي، والاشتراكي، وحينئذٍ لا يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير