فهرس الكتاب
فالفقهاء - في نظر الصوفية - يعلمون الناس أركان الصلاة وسننها، وهم يهتمون بأعمال القلوب من المحبة والخشية، ويقول غلاتهم: إن هذه الأحكام خاصة بعوام المسلمين نظرًا لضيق عقولهم وقلوبهم عن استيعاب المعاني العلوية، دون الالتزام برسوم وأشكال معينة... )) . (431)
* وقد انحرف غلاتهم بعد ذلك إلى التنفير من علوم الحديث حتى يضعوا الأحاديث لتناسب طرائقهم وبدعهم.. ولهم في ذلك عجائب لا تحصى من ذلك:
ما نقله فريد الدين العطار عن أبي الحسين الخرقاني أنه قال: (( وهبني الله جميع العلوم والمعارف، مع كوني أميًا، وقرأت الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يُصَدِّقْهُ مريده، فرأى - المريد - في المنام رسول الله وسمعه يقول: صدق الرجل، صدق الرجل، وقال المريد: بدأت بعدها أتردد إلى الشيخ وأقرأ الحديث، فأحيانًا كان يقول: هذا الحديث ليس بصحيح، ولما سألته كيف عرف ذلك؟ قال: لما تقرأ الحديث أشتغل بمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلما قرأت الحديث الصحيح يبتسم النبي وتنورت جبهته، وإذا مررت بحديث موضوع ظهرت كآبة على وجهه صلى الله عليه وسلم ، فبذلك أميز الصحيح من الضعيف ) ). (432)
ويصرح الدباغ قائلًا: (( قد ينزل الملك على الولي، ويخبره بصحة حديث ضعفه العلماء ) ). (433)
فالمتصوفة يرون أن العلم اللدني ليس بينه وبين الغيب حجاب، أي أنه لا يحتاج إلى إسناد، فوجوده إسناده.
وقد جعلوا حديث الناس حديثًا للنبي المعصوم، معتمدين على كشفهم وإلهامهم، فجعلوا الموضوع ثابتًا، والسقيم صحيحًا، دون النظر إلى رواته قائلين: بأنهم سمعوه عن النبيّ رأسًا، أو علموا تصحيحه عن رسول الله مشافهة، أو بواسطة الملك أو بتعليم الخضر. (434)
لقد خالف المتصوفة ما قاله العلماء في أهمية علم الإسناد في الحديث النبوي، فعن عبد الله بن المبارك أنه قال: (( الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) )رواه مسلم.