الفصل الأول
الجذور التاريخية لظاهرة الإرجاء (54)
يرجع فكر المرجئة إلى الفتن التي اجتاحت ديار المسلمين منذ مقتل عثمان بن عفان ?، وما تلاه من حرب صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
لقد فجرت هذه الفتن كثيرًا من المواقف والآراء وردود الأفعال بين الصحابة أنفسهم.
* فبعض كبار الصحابة وأجلائهم مثل سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد وغيرهم رأوا موقف الحياد، مع إجلالهم لكبار الصحابة كعلي وعثمان ومعاوية.
* وبعض سكان الأطراف والمرابطين على ثغور الجهاد فوجئوا بمقتل أمير المؤمنين عثمان ?، ثم فوجئوا بما تلا ذلك من أحداث، وما استطاعوا أن يستبينوا رأيًا فيتبعوه أو يرجحوا طرفًا فيوالوه، فآثروا مسألة الفريقين المتقاتلين والركون إلى حياد ولا حيلة لهم في قبوله، وهؤلاء هم الشكاك من أهل الحيرة والتردد. كانوا يقولون: كلهم عندنا ثقة، ونحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون هو الذي يحكم بينهما.
فهؤلاء - إن صح إطلاق الإرجاء على موقفهم - فهو إرجاء حيرة لا إرجاء فكرة، وهذه الحيرة كانت خاصة بقضية الحكم على المختلفين بالخطأ أو الصواب، أما موالاتهم والإقرار بفضلهم وسابقتهم، فلم يكن موضع شك عندهم.
* وهنالك فئة ضاق أفق أصحابها عن تفهم الخلاف فثارت ساخطة على الطرفين، دون تبصر في الدوافع أو تريث في الحكم.
ومن هؤلاء فرقة أعلنت نقمتها وسخطها على كل الأطراف وقالوا: كيف يختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتقاتلون وهم أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالدين؟! والأصل أن يكونوا أكثر الأمة تمسكًا ووفاقًا ودعوةً وجهادًا!!