الفصل الثاني
الانحرافات العقدية عند أهل التصوف
وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: الشريعة والحقيقة (أو الظاهر والباطن) وسقوط التكاليف الشرعية.
المبحث الثاني: الأولياء والكرامات.
المبحث الثالث: الصلة بين التصوف والتشيع.
المبحث الرابع: غلاة الصوفية وقولهم بوحدة الوجود.
المبحث الخامس: تقديس القبور والأضرحة والاستغاثة بأصحابها.
المبحث الأول
الشريعة والحقيقة (( الظاهر والباطن ) )
وقع المتصوفة في انحرافات عقدية خطيرة، تغلغلت في طرقهم من عقائد الشيعة والباطنية خاصة، كما أنها دخلت إليهم من عقائد الملل الأخرى، مما أوقع القوم في ضلالات، من أولها هذا الانحراف الذي قسم الدين فيه إلى ظاهر وباطن، وإلى شريعة وحقيقة، ثم انجرفوا إلى القول بسقوط التكاليف الشرعية وتأويل القرآن تأويلًا باطنيًا فاسدًا.
* فالشريعة - كما يراها المتصوفة - هي مجموعة من الأحكام العملية التكليفية أي ما يسمى (( بالفقه الإسلامي ) )، والحقيقة هي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار حسب زعمهم، لقد أهملوا علوم الشريعة لأنها عندهم من علوم الظاهر التي لا تؤدي - بزعمهم - للوصول إلى الحضرة كما هو شأن علم الباطن، ويسمون العلماء بحملة الشريعة، بينما يسمون أنفسهم بحملة الحقيقة.
ومن هنا احتقر المتصوفة العلم وأهله، وقبحوا طريقة العلماء في فهم الكتاب والسنة حتى ترك كثير من علمائهم في القرنين الأخيرين حلقات التدريس والعلم، واعتزلوا الناس تمامًا، ليتفرغوا للأتباع والمريدين. (429)
وقد نقل عن الجنيد أنه كان يقول: (( المريد الصادق غني عن علم العلماء، وإذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء ) ). (430)