وقد دعا الإسلام إلى الوسطية وهي من أبرز خصائص الإسلام. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] . فالإسلام يقدم المنهج الوسط في كل شأن من شؤون الحياة، ويحذر من المصير إلى الانحرافين: الغلو أو التقصير.
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]
وعن أبي هريرة ?، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) ). (178) أي غلبه الدين وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه.
وقال ابن حجر رحمه الله: (( والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، وترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ) ). (179)
* وقد خرجت بعض الفرق منذ القديم عن هذا المنهج الوسط، منهج أهل السنة والجماعة خلال القرون الأولى المفضلة.
ومن أبرز هذه الفرق الغالية: الشيعة والروافض، والخوارج والمعتزلة، وسائر أهل الأهواء، إذ كفر الشيعة معظم سائر الصحابة، وأهل السنة ما عدا عليًا ?، وبعض الصحابة. وكفر الخوارج ومن شايعهم على الذنوب والمعاصي، وقالوا: بتخليد مرتكب الكبيرة في النار.
(( فالخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يكفر حكم بفسقه .. وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يكفرون من خالفهم فيه ) ). (180)
المبحث الثاني
الجذور التاريخية لظاهرة الغلو
لعل أفكار الخوارج ومعتقداتهم كانت من أبرز مظاهر الغلو في التاريخ الإسلامي .. ويحاول بعضهم أن يعقد مقارنات بين الخوارج وظاهرة الغلو المعاصرة، فما مدى صحة هذا القول؟ هذا ما سوف نلقي عليه الضوء في آخر هذه الفقرة.