فهرس الكتاب
ثم وجد المرجئة أن ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات، فاتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، حتى يسلم لها الأصل المذكور، فيظل تارك الصلاة مثلًا أو مرتكب المحرم مؤمنًا، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناءً على هذا الأصل.
ثم اختلفت فرق المرجئة: فمنهم من يقول: الإيمان محله القلب ومنهم من يضيف إليه إقرار اللسان، والذين قالوا: محله القلب، اختلفوا في التسمية. فقال بعضهم: هو المعرفة، وقال آخرون: هو التصديق. (68)
ولهدم هذه الشبهة شرعًا نقول بإيجاز:
1 -انعقد الإجماع من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو إجماع يستند إلى النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، في زيادة الإيمان ونقصه، واجتماع النفاق والإيمان في القلب الواحد، واجتماع الشرك والإيمان في عمل الرجل الواحد. (69)
2 -تفاضل المؤمنين في الأعمال الظاهرة تفاضلًا لا ينكره إلا مكابر، فمنهم القانت الأواب، والمجاهد الدائب، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه المنهمك في فسقه.
3 -تفاوت المؤمنين في الأعمال الباطنة، كالحب والخوف والرجاء والذكر والتفكر في آلاء الله وآياته، والخشوع واليقين .. ونحو ذلك، مما لا يجحده إلا معاند مكابر.
4 -تفاوت الناس في العلم: فالمعرفة والعلم واليقين، لكل منها درجات متفاوتة، والإنسان الواحد نفسه، قد يكون إيمانه بشيء أقوى من إيمانه بشيء آخر، ويكون إيمانه بالشيء اليوم أقوى منه غدًا أو العكس.
أما الخط الثاني وهو الأكثر خطرًا، فهو ما يسمى بإرجاء الجهمية، الذي تأثر كثيرًا بعلم الكلام، والغزو الفلسفي، فهو مجال حديثنا في الصفحات القادمة (70) .
ويعتمد على القول بأن الإيمان هو المعرفة فقط. (71)