فالخوارج كلمة تطلق على تلك الفرقة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين، وتميزت بالغلو والإفراط والشطط كما تميزت بالاندفاع والتهور والقابلية السريعة للتمزق والاشتعال وما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أعسرهما.
روى أبو سعيد الخدري ? في قصة الرجل الذي اعترض على قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه: (( ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله، يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله: (( إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان ) ). (181)
فمن صفاتهم إذن: أنهم لا يفهمون القرآن، وهو لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى القلوب، وعدم فهمهم للقرآن يجعلهم يأخذون آيات نزلت في الكفار فيحملونها على المسلمين. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الخوارج: (( إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين ) ). (182)
والوصف الثاني لهم في الحديث السابق: التكفير واستحلال الدماء (( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) ).
وقد امتلأت صفحات تاريخ الخوارج بنماذج غريبة لعقيدتهم، ومنهجهم، فقد يثورون ويحجمون من أجل إثبات قضية قد لا تكون ذات شأن، لكنهم يرون أن عدم إثباتها كفر وضلال، فإذا ما تحقق لهم ذلك نكصوا وقالوا: قد كنا مخطئين، بل كافرين - حين فعلنا ذلك فيثورون ويشتطون أشد من ذي قبل، من أجل إثبات إبطال ما أثبتوه والتراجع عما قرروه، ويرون ضد ذلك كفرًا وليس ذلك فحسب بل كانت طوائفهم تتهجم على بعضها ويكفرون بعضهم.
وهكذا كان تاريخ هذه الطائفة سلسلة من تضخم المواقف والاجتهادات والتكفير، وقد تؤدي إلى سلسلة من الانشقاقات الجذرية والمفاصلات الكاملة.
وقد ابتدأ أمرهم يوم (صفين) حين قالوا لأمير المؤمنين علي ? عليك أن تقبل تحكيم كتاب الله وإلا فأنت كافر، فلما وافقهم كارهًا، قالوا: حكمت الرجال في دين الله فأنت كافر لأنه لا حكم إلا الله )) . (183)