إذن لقد انحرفوا عما كانوا عليه زمن رسول الله، بلا شك ولا ريب، ومن ثم فلا حرمة لمن نكص على عقبيه، ولا اعتبار لسابقته في الإسلام مادامت هذه خاتمته!!!
هذه الفكرة تبناها الفكر الخارجي الذي بلغ به حنقه على الأطراف جميعها إلى تدبير مؤامرة لاغتيال زعماء الخلاف (علي ومعاوية وعمرو بن العاص) رضي الله عنهم.
وهذا هو أصل المذهب الذي يرى تخطئة وتفسيق، أو تكفير كلا الطائفتين، وصار هذا مذهب كثير من أهل الأهواء من المعتزلة والخوارج وبعض المتكلمين. (55)
* وكان من هذه الفئة فرقة أقل غلوًا وشططًا فقالوا: لقد حدث بين الصحابة ما حدث، وهم على الدرجة العليا من الفضل والعلم، ومعنى ذلك أن في الأمر ما لا نستطيع إدراكه، ولا نأمن مغبة الحكم عليه، ولا يمكن ترجيح أحد الطرفين، وأن نبرئ أنفسنا من الوقوف مع أحد منهم أو عليه، ولذلك فإننا نكل أمر الجميع إلى الله وهو الذي يتولى حسابهم ونحن لا نوالي أحدًا منهم ولا نعاديه، ولا نشهد له بحق ولا باطل.
ولم تتجرأ هذه الفرقة على تكفير الصحابة، كحال نظيرتها الأولى ورأوا أن الذي يتفق مع موقفهم، هو اعتقاد أن ما ارتكبوه - أي الصحابة - هو دون الشرك بالله تعالى، ومن ثم فهم داخلون تحت المشيئة.
وهذه الطائفة هي التي يصح أن توصف بأنها أصل الإرجاء، سواء ما نشأ منه في أحضان الخوارج، وهم الأعم الأغلب، أو ما كان آراء فردية ومواقف نفسية.
* ويمكن اعتبار وقعة صفين هي المنطلق التاريخي لهذه الفتنة، بل إن حادثة التحكيم هي الشرارة التي فجرت بركانها.
لقد أنتجت هذه الحادثة وذيولها فرقتين كبيرتين، أو منهجين كبيرين، ما يزال لهما وجود ملموس وانحراف بعيد حتى الآن.
هذان المنهجان هما: التشيع والخروج، وكلاهما ناشئ عن علة واحدة، هي الغلو ولكنه غلو متضاد.