فهرس الكتاب
وكان من آثار هذه الفتنة أن أصبحت المعسكرات المتحاربة ثلاثة: أهل العراق - أهل الشام - الخوارج، وأصبحت المناهج الاعتقادية ثلاثة: السنة، والخروج والتشيع.
وهذا التفرق وما صحبه من صراع أدى إلى نمو بذرة الإرجاء التي تكونت في الفتنة الأولى (مقتل عثمان ?) لتصبح منهجًا رابعًا فيما بعد. (56)
* إلا أن فكر المرجئة تطور بعد ذلك ليصبح من قضايا الاعتقاد ولذلك عندما سئل ابن عينية عن الإرجاء، وفيم سميت المرجئة مرجئة قال:
(( الإرجاء على وجهين: قوم أرجوا أمر علي وعثمان، فقد مضى أولئك، أما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم ولا تصلوا عليهم ) ). (57)
ويقول ابن جرير الطبري شارحًا لهذا القول: (( والصواب من القول في المعنى الذي من أجله سميت المرجئة مرجئة أن يقال: إن الإرجاء معناه: تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان رضي الله عنهما إلى ربهما، وتارك ولايتهما، والبراء منهما مرجئًا أمرهما فهو مرجئ، غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلفين في الديانات في دهرنا هذا: هو هذا الاسم فيمن كان من قوله الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان من مذهبه أن الشرائع ليست من الإيمان ... ) ). (58)
ومن كلام الإمام ابن عينية وشرح الطبري له، ما يدل على أن المرجئة الأولى هي طائفة من الناس كانت ترجئ أمر عثمان وعلي إلى الله، فلا تتولاهما ولا تتبرأ منهما، فهي مضادة لمن يكفرهما أو يغلو فيهما - أو بأحدهما - وكذلك فهي مضادة لمن يرى تقديمهما وفضلهما ووجوب موالاتهما.
والإرجاء عندها ليس في مسألة الكفر والإيمان عامة، وإنما هو في الموقف من الصحابة المختلفين في الفتنة - رضي الله عنهم - خاصة، فهم مناقضون لما كان عليه عامة الخوارج من تكفيرهما، وما كان عليه عامة الشيعة من الغلو في عليّ والحط من عثمان، أو تكفيره، وكذلك فهم يخالفون ما عليه الجماعة في أمرهما. (59)
(( فطائفة الشكاك هؤلاء ممن لم يستطيعوا أن يحددوا لأنفسهم موقفًا معينًا من الخلاف، وخاصة من كان على الثغور البعيدة منهم، كانوا يشعرون بالألم الفاجع لما حل بالمسلمين، وبالأسى البالغ لتفرقهم بعد الاجتماع، فكانت تحن إلى عهد الشيخين وأول عهد عثمان، وتكره أن تسمع أو تفكر في شيء مما حدث بعد ذلك ...
فإرجاء هؤلاء هو إرجاء شك وحيرة ونفرة من الخوض في القضية، لا إرجاء عقيدة وفكرة ... خلافًا لأفكار الخوارج ...
فأصل الإرجاء إذن خارج مذهب الخوارج هو التحول تدريجيًا من موقف سلبي إلى عقيدة ومبدأ )) . (60)
وسوف نتحدث عن تطور هذه الظاهرة في البحث القادم، وكيف تحولت تدريجيًا من بدعة نظرية ولأسباب معينة، إلى عقيدة ومبدأ، وظاهرة عامة تسيطر على كثير من مظاهر حياة المسلمين.