فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 129

الِاجْتِهَادِ فِي كَوْنِ إمَامِهِمْ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ , وَأَقْوَالُهُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. فَصْلٌ: النَّوْعُ الرَّابِعُ: طَائِفَةٌ تَفَقَّهَتْ فِي مَذَاهِبِ مَنْ انْتَسَبَتْ إلَيْهِ , وَحَفِظَتْ فَتَاوِيهِ وَفُرُوعَهُ , وَأَقَرَّتْ عَلَى أَنْفُسِهَا بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ , فَإِنَّ ذَكَرُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يَوْمًا مَا فِي مَسْأَلَةٍ فَعَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ وَالْفَضِيلَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ وَالْعَمَلِ , وَإِذَا رَأَوْا حَدِيثًا صَحِيحًا مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَنْ انْتَسَبُوا إلَيْهِ أَخَذُوا بِقَوْلِهِ وَتَرَكُوا الْحَدِيثَ , وَإِذَا رَأَوْا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم قَدْ أَفْتَوْا بِفُتْيَا , وَوَجَدُوا لِإِمَامِهِمْ فُتْيَا تُخَالِفُهَا أَخَذُوا بِفُتْيَا إمَامِهِمْ وَتَرَكُوا فَتَاوَى الصَّحَابَةِ , قَائِلِينَ: الْإِمَامُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنَّا , وَنَحْنُ قَدْ قَلَّدْنَاهُ فَلَا نَتَعَدَّاهُ وَلَا نَتَخَطَّاهُ , بَلْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنَّا , وَمِنْ عَدَا هَؤُلَاءِ فَمُتَكَلِّفٌ مُتَخَلِّفٌ قَدْ دَنَا بِنَفْسِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْمُشْتَغِلِينَ وَقَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ الْمُحَصِّلِينَ , فَهُوَ مُكَذْلِكٌ مَعَ الْمُكَذْلِكِينَ , وَإِنْ سَاعَدَ الْقَدَرُ , وَاسْتَقَلَّ بِالْجَوَابِ قَالَ: يَجُوزُ بِشَرْطِهِ , وَيَصِحُّ بِشَرْطِهِ , وَيَجُوزُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ , وَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى رَايِ الْحَاكِمِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُهَا كُلُّ جَاهِلٍ , وَيَسْتَحْيِي مِنْهَا كُلُّ فَاضِلٍ. [مَنْزِلَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمُفْتِينَ] فَفَتَاوَى الْقَسَمِ الْأَوَّلِ مِنْ جِنْسِ تَوْقِيعَاتِ الْمُلُوكِ وَعُلَمَائِهِمْ , وَفَتَاوَى النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ جِنْسِ تَوْقِيعَاتِ نُوَّابِهِمْ وَخُلَفَائِهِمْ , وَفَتَاوَى النَّوْعِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْ جِنْسِ تَوْقِيعَاتِ خُلَفَاءِ نُوَّابِهِمْ , وَمَنْ عَدَاهُمْ فَمُتَشَبِّعٌ بِمَا لَمْ يُعْطِ , مُتَشَبِّهٌ بِالْعُلَمَاءِ , مُحَاكٍ لِلْفُضَلَاءِ , وَفِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ مُتَحَقِّقٌ بِغَيِّهِ وَمُحَاكٍ لَهُ مُتَشَبِّهٌ بِهِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

[هَلْ لِلْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ؟] الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامٍ , وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالِاجْتِهَادِ , فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ , وَيَكُونُ مُتَّبِعُهُ مُقَلِّدًا لِلْمَيِّتِ , لَا لَهُ , وَإِنَّمَا لَهُ مُجَرَّدُ النَّقْلِ عَنْ الْإِمَامِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ ; لِأَنَّ السَّائِلَ مُقَلِّدٌ لَهُ , لَا لِلْمَيِّتِ , وَهُوَ لَمْ يَجْتَهِدْ لَهُ , وَالسَّائِلُ يَقُولُ لَهُ: أَنَا أُقَلِّدُكَ فِيمَا تُفْتِينِي بِهِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ ; فَإِنْ قَالَ لَهُ السَّائِلُ:"أُرِيدُ حُكْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَأُرِيدُ الْحَقَّ فِيمَا يُخَلِّصُنِي"وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ إلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ لَهُ فِي الْحَقِّ , وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهُ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ , وَإِنْ قَالَ لَهُ:"أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ قَوْلَ الْإِمَامِ وَمَذْهَبَهُ"سَاغَ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ , وَيَكُونُ نَاقِلًا لَهُ , وَيَبْقَى الدَّرْكُ عَلَى السَّائِلِ ; فَالدَّرْكُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُفْتِي , وَفِي الثَّانِي عَلَى الْمُسْتَفْتِي

[هَلْ لِلْحَيِّ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَيِّتَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلدَّلِيلِ] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: هَلْ يَجُوزُ لِلْحَيِّ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ وَالْعَمَلُ بِفَتْوَاهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِهَا بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ بِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ; فَمَنْ مَنَعَهُ قَالَ: يَجُوزُ تَغْيِيرُ اجْتِهَادُهُ لَوْ كَانَ حَيًّا ; فَإِنَّهُ كَانَ يُجَدِّدُ النَّظَرَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النَّازِلَةِ إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا , عَلَى النِّزَاعِ الْمَشْهُورِ , وَلَعَلَّهُ لَوْ جَدَّدَ النَّظَرَ لَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ , وَعَلَيْهِ عَمَلُ جَمِيعِ الْمُقَلِّدِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ , وَخِيَارُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ التَّقْلِيدِ تَقْلِيدُ الْأَمْوَاتِ , وَمَنْ مَنَعَ مِنْهُمْ تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ , وَعَمَلُهُ فِي فَتَاوِيهِ وَأَحْكَامِهِ بِخِلَافِهِ , وَالْأَقْوَالُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ قَائِلِهِ , كَمَا لَا تَمُوتُ الْأَخْبَارُ بِمَوْتِ رُوَاتِهَا وَنَاقِلِيهَا

هَلْ لِلْمُجْتَهِدِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ؟] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الِاجْتِهَادُ حَالَةٌ تَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ وَالِانْقِسَامَ , فَيَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مُقَلِّدًا فِي غَيْرِهِ , أَوْ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ , كَمَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي نَوْعِ الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَأَدِلَّتِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ غَيْرِهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت