فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 129

عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً , كُلُّهَا فِي النَّارِ , إلَّا وَاحِدَةً يَعْنِي بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي سَلَكَتْ ظَاهِرَ الشَّرْعِ وَلَمْ تُؤَوِّلْهُ. وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْتَ مَا عَرَضَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ الْفَسَادِ الْعَارِضِ فِيهَا مِنْ قِبَلِ التَّاوِيلِ تَبَيَّنْتَ أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ صَحِيحٌ. وَأَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ هَذَا الدَّوَاءَ الْأَعْظَمَ هُمْ الْخَوَارِجُ , ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ بَعْدَهُمْ , ثُمَّ الْأَشْعَرِيَّةُ , ثُمَّ الصُّوفِيَّةُ , ثُمَّ جَاءَ أَبُو حَامِدٍ فَطَمَّ الْوَادِي عَلَى الْقُرَى , هَذَا كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ. وَلَوْ ذَهَبْنَا نَسْتَوْعِبُ مَا جَنَاهُ التَّاوِيلُ عَلَى الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَمَا نَالَ الْأُمَمَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِسَبَبِهِ مِنْ الْفَسَادِ لَاسْتَدْعَى ذَلِكَ عِدَّةَ أَسْفَارٍ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

[لَا يُعْمَلُ بِالْفَتْوَى حَتَّى يَطْمَئِنَّ لَهَا قَلْبُ الْمُسْتَفْتِي] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمُجَرَّدِ فَتْوَى الْمُفْتِي إذَا لَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ , وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ مِنْ قَبُولِهِ , وَتَرَدَّدَ فِيهَا ; لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ} فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ نَفْسَهُ أَوَّلًا, وَلَا تُخَلِّصُهُ فَتْوَى الْمُفْتِي مِنْ اللَّهِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ مَا أَفْتَاهُ , كَمَا لَا يَنْفَعُهُ قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَاخُذُهُ ; فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ} وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي فِي هَذَا سَوَاءٌ , وَلَا يَظُنُّ الْمُسْتَفْتِي أَنَّ مُجَرَّدَ فَتْوَى الْفَقِيهِ تُبِيحُ لَهُ مَا سَأَلَ عَنْهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ فِي الْبَاطِنِ , سَوَاءٌ تَرَدَّدَ أَوْ حَاكَ فِي صَدْرِهِ , لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ فِي الْبَاطِنِ , أَوْ لِشَكِّهِ فِيهِ , أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ , أَوْ لِعِلْمِهِ جَهْلَ الْمُفْتِي أَوْ مُحَابَاتِهِ فِي فَتْوَاهُ أَوْ عَدَمَ تَقْيِيدِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَتْوَى بِالْحِيَلِ وَالرُّخَصِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الثِّقَةِ بِفَتْوَاهُ وَسُكُونِ النَّفْسِ إلَيْهَا ; فَإِنْ كَانَ عَدَمُ الثِّقَةِ وَالطُّمَانِينَةِ لِأَجْلِ الْمُفْتِي يَسْأَلُ ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ الطُّمَانِينَةُ ; فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يُكَلِّفْ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا , وَالْوَاجِبُ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ. فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مُفْتِيَانِ أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ مِنْ الْآخَرِ فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ , وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ; فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ وَحْدَهُ , فَوُجُودُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ كَالشَّاهِدِ , وَمَنْ مَنَعَ اسْتِفْتَاءَهُ قَالَ: الْمَقْصُودُ حُصُولُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْإِصَابَةُ , وَغَلَبَةُ الظَّنِّ بِفَتْوَى الْأَعْلَمِ أَقْوَى فَيَتَعَيَّنُ , وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بِأَنَّ الْمَفْضُولَ إنْ تَرَجَّحَ بِدِيَانَةٍ أَوْ وَرَعٍ أَوْ تَحَرٍّ لِلصَّوَابِ , وَعُدِمَ ذَلِكَ الْفَاضِلُ فَاسْتِفْتَاءُ الْمَفْضُولِ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ , وَإِنْ اسْتَوَيَا فَاسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ أَوْلَى , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[التُّرْجُمَانُ عِنْدَ الْمُفْتِي] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْمُفْتِي لِسَانَ السَّائِلِ , أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُسْتَفْتِي لِسَانَ الْمُفْتِي أَجْزَأَ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدٍ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ [وَالطِّبِّ] وَطَرْدُ هَذَا الِاكْتِفَاءِ بِتَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ , وَالرِّسَالَةِ , وَالدَّعْوَى , وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ , وَالتَّعْرِيفِ , فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ , وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ إجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الْخَبَرِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُقْبَلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ , إجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الشَّهَادَةِ , وَسُلُوكًا بِهَا سَبِيلَهَا ; لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْإِقْرَارَ عِنْدَ الْحَاكِمِ , وَتُثْبِتُ عَدَالَةَ الشُّهُودِ وَجَرْحَهُمْ , فَافْتَقَرَتْ إلَى الْعَدَدِ , كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ; فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهِ , وَهَذَا بِخِلَافِ تَرْجَمَةِ الْفَتْوَى وَالسُّؤَالِ ; فَإِنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ , فَافْتَرَقَا.

[مَا يَصْنَعُ الْمُفْتِي فِي جَوَابِ سُؤَالٍ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ صُوَرٍ] الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمِلًا لِصُوَرٍ عَدِيدَةٍ ; فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُفْتِي الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا لَمْ يُجِبْ عَنْ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا , وَإِنْ عَلِمَ الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا فَلَهُ أَنْ يَخُصَّهَا بِالْجَوَابِ , وَلَكِنْ يُقَيَّدُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ غَيْرِهَا فَيَقُولَ: إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَيْتَ وَكَيْتَ , أَوْ كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا ; فَالْجَوَابُ كَذَا وَكَذَا , وَلَهُ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ صُورَةٍ بِجَوَابٍ ; فَيُفَصِّلُ الْأَقْسَامَ الْمُحْتَمَلَةَ , وَيَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت