فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 129

[هَلْ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ؟] الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: (هَلْ لِلْمُنْتَسِبِ إلَى تَقْلِيدِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ) ؟ لَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ فَقَطْ فَيُقَالَ لَهُ: مَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا فِي كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ يُسْأَلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ; فَإِنْ سُئِلَ عَنْ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِغَيْرِهِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ , وَإِنْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ السَّائِلُ قَوْلَ فَقِيهٍ مُعَيَّنٍ ; فَهَهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ بِمَا هُوَ رَاجِحٌ عِنْدَهُ وَأَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ مَذْهَبِ مَنْ خَالَفَهُ , لَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ , فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ وَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى تَرْكِ الْإِفْتَاءِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَوَابٌ ; فَكَيْفَ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِ؟ وَلَا يَسَعُ الْحَاكِمَ وَالْمُفْتِيَ غَيْرُ هَذَا أَلْبَتَّةَ ; فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمَا عَنْ رَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ , لَا عَنْ الْإِمَامِ الْمُعَيَّنِ وَمَا قَالَهُ , وَإِنَّمَا يُسْأَلُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ وَيَوْمَ مَعَادِهِمْ عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ; فَيُقَالُ لَهُ فِي قَبْرِهِ: مَا كُنْتُ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ} وَلَا يُسْأَلُ أَحَدٌ قَطُّ عَنْ إمَامٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مَتْبُوعٍ غَيْرِهِ , بَلْ يُسْأَلُ عَمَّنْ اتَّبَعَهُ وَائْتَمَّ بِهِ غَيْرُهُ , فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يُجِيبُ؟ وَلْيُعِدَّ لِلْجَوَابِ صَوَابًا. وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا رحمه الله يَقُولُ: جَاءَنِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: أَسْتَشِيرُكَ فِي أَمْرٍ , قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَنْتَقِلَ عَنْ مَذْهَبِي , قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنِّي أَرَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كَثِيرًا تُخَالِفُهُ , وَاسْتَشَرْتُ فِي هَذَا بَعْضَ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ لِي: لَوْ رَجَعَتْ عَنْ مَذْهَبِكَ لَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ مِنْ الْمَذْهَبِ , وَقَدْ تَقَرَّرَتْ الْمَذَاهِبُ , وَرُجُوعُكَ غَيْرُ مُفِيدٍ , وَأَشَارَ عَلَيَّ بَعْضُ مَشَايِخِ التَّصَوُّفِ بِالِافْتِقَارِ إلَى اللَّهِ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ وَسُؤَالِ الْهِدَايَةِ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ , فَمَاذَا تُشِيرُ بِهِ أَنْتَ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: اجْعَلْ الْمَذْهَبَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ , قِسْمٌ الْحَقُّ فِيهِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَاقْضِ بِهِ وَأَفْتِ بِهِ طَيِّبَ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ , وَقِسْمٌ مَرْجُوحٌ وَمُخَالِفُهُ مَعَهُ الدَّلِيلُ فَلَا تُفْتِ بِهِ وَلَا تَحْكُمْ بِهِ وَادْفَعْهُ عَنْكَ , وَقِسْمٌ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي الْأَدِلَّةُ فِيهَا مُتَجَاذِبَةٌ ; فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُفْتِيَ بِهِ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدْفَعَهُ عَنْكَ , فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا , أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى - مِنْهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ , وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ: مَنْ وَجَدَ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ فَإِنْ كَمُلَتْ آلَةُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَالْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ أَوْلَى , وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ آلَتُهُ وَوَجَدَ فِي قَلْبِهِ حَزَازَةً مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ بَحَثَ فَلَمْ يَجِدْ لِمُخَالَفَتِهِ عِنْدَهُ جَوَابًا شَافِيًا فَلْيَنْظُرْ: هَلْ عَمِلَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ إمَامٌ مُسْتَقِلٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ وَجَدَهُ فَلَهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ , وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فِي ذَلِكَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَ الْمُفْتِي مَذْهَبٌ غَيْرُ مَذْهَبِ إمَامِهِ , فَهَلْ يُفْتِي بِهِ؟] الْفَائِدَةُ الْخَمْسُونَ: (هَلْ لِلْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إلَى مَذْهَبِ إمَامِ بِعَيْنِهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ) ؟ فَإِنْ كَانَ سَالِكًا سَبِيلَ ذَلِكَ الْإِمَامِ فِي الِاجْتِهَادِ وَمُتَابَعَةِ الدَّلِيلِ أَيْنَ كَانَ - وَهَذَا هُوَ الْمُتَّبَعُ لِلْإِمَامِ حَقِيقَةً - فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ , وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مُتَقَيِّدًا بِأَقْوَالِ ذَلِكَ الْإِمَامِ لَا يَعْدُوهَا إلَى غَيْرِهَا فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِ قَوْلِ إمَامِهِ ; فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ حَكَاهُ عَنْ قَائِلِهِ حِكَايَةً مَحْضَةً. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ قَوْلُ غَيْرِ إمَامِهِ بِدَلِيلٍ رَاجِحٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أُصُولِ إمَامِهِ وَقَوَاعِدِهِ ; فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُولِ الْأَحْكَامِ , وَمَتَى قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا مَرْجُوحًا فَأُصُولُهُ تَرُدُّهُ وَتَقْتَضِي الْقَوْلَ الرَّاجِحَ , فَكُلُّ قَوْلٍ صَحِيحٍ فَهُوَ يَخْرُجُ عَلَى قَوَاعِدِ الْأَئِمَّةِ بِلَا رَيْبٍ ; فَإِذَا تَبَيَّنَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ رُجْحَانُ هَذَا الْقَوْلِ وَصِحَّةُ مَاخَذِهِ خَرَجَ عَلَى قَوَاعِدِ إمَامِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ: لَوْ أَدَّى اجْتِهَادِي إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قُلْتُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت