فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 129

أَتْبَاعِهِمْ , وَإِنَّمَا قَالُوا: يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ , وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِهِ مَا خَالَفَ قَوْلَ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ , وَيُنْقَضُ مِنْ فَتْوَى الْمُفْتِي مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ , فَكَيْف يَسُوغُ نَقْضُ أَحْكَامِ الْحُكَّامِ وَفَتَاوَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا خَالَفَتْ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؟ وَلَا سِيَّمَا إذَا وَافَقَتْ نَصًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ يَسُوغُ نَقْضُهَا لِمُخَالَفَةِ قَوْلِ فُلَانٍ وَحْدَهُ , وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَوْلَ فَقِيهٍ مِنْ الْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ نَصِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَيَحْرُمُ خِلَافُهُ. فَإِذَا بَانَ لِلْمُفْتِي أَنَّهُ خَالَفَ إمَامَهُ وَوَافَقَ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ وَيَخْرَبَ بَيْتَهُ وَيُشَتِّتَ شَمْلَهُ وَشَمْلَ أَوْلَادِهِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْمُفْتِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ خِلَافُ نَصِّ إمَامِهِ , وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ:"فَارِقْ أَهْلَكَ"بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ , وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ النَّصُّ مَعَ قَوْلِ الثَّلَاثَةِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَبُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نَتَكَلَّفَ بَيَانَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُفْتِي , فَهَلْ يَلْزَمُهُ إعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي؟ قِيلَ: اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ; فَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ , فَإِنَّهُ عَمِلَ أَوَّلًا بِمَا يَسُوغُ لَهُ , فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ لَمْ يَكُنْ آثِمًا فَهُوَ فِي سِعَةٍ مِنْ اسْتِمْرَارِهِ , وَقِيلَ: بَلْ يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ ; لِأَنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ قَدْ اعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ , وَبَانَ لَهُ أَنَّ مَا أَفْتَاهُ بِهِ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ , فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ , كَمَا جَرَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حِين أَفْتَى رَجُلًا بِحِلِّ أُمِّ امْرَأَتِهِ الَّتِي فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ , ثُمَّ سَافَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَتَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ , فَرَجَعَ إلَى الْكُوفَةِ , وَطَلَبَ هَذَا الرَّجُلَ , وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ , وَكَمَا جَرَى لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيِّ لَمَّا اُسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَخْطَأَ فِيهَا , وَلَمْ يَعْرِفْ الَّذِي أَفْتَاهُ بِهِ , فَاسْتَاجَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ اُسْتُفْتِيَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَسْأَلَةٍ فَأَخْطَأَ فَمَنْ كَانَ أَفْتَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ بِشَيْءٍ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ , ثُمَّ لَبِثَ أَيَّامًا لَا يُفْتِي حَتَّى جَاءَ صَاحِبُ الْفَتْوَى فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ , وَأَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِفَايَتِهِ: مَنْ أَفْتَى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي بِذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ بِهِ , وَإِلَّا أَعْلَمَهُ. وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ , فَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ قَطْعًا لِكَوْنِهِ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا أَوْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ فَعَلَيْهِ إعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي , وَإِنْ كَانَ إنَّمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَالَفَ مُجَرَّدَ مَذْهَبِهِ أَوْ نَصَّ إمَامِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي. وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ قِصَّةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَإِنَّهُ لَمَّا نَاظَرَ الصَّحَابَةَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ , بَيَّنُوا لَهُ أَنَّ صَرِيحَ الْكِتَابِ يُحَرِّمُهَا لِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَبْهَمَهَا فَقَالَ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} وَظَنَّ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ قَوْلَهُ: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي , فَبَيَّنُوا لَهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى أُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ خَاصَّةً , فَعَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ , وَأَنَّ الْقَوْلَ بِحِلِّهَا خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى , فَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ , وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا بِكَوْنِهِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[هَلْ يَضْمَنُ الْمُفْتِي الْمَالَ أَوْ النَّفْسَ؟] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: (إذَا عَمِلَ الْمُسْتَفْتِي بِفُتْيَا مُفْتٍ فِي إتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ثُمَّ بَانَ خَطَؤُهُ) . قَالَ أَبُو إسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: يَضْمَنُ الْمُفْتِي إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْفَتْوَى وَخَالَفَ الْقَاطِعَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ قَصَّرَ فِي اسْتِفْتَائِهِ وَتَقْلِيدِهِ , وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي كِتَابِ: آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي"لَهُ , وَلَمْ أَعْرِفْ هَذَا لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ ثُمَّ حَكَى وَجْهًا آخَرَ فِي تَضْمِينِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ قَالَ: لِأَنَّهُ تَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ وَغَرَّ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بِتَصَدِّيهِ لِذَلِكَ. قُلْتُ: خَطَأُ الْمُفْتِي كَخَطَأِ الْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ , وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي خَطَأِ الْحَاكِمِ فِي النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ , فَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ , إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ يَكْثُرُ مِنْهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ , فَلَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ لَكَانَ ذَلِكَ إضْرَارًا عَظِيمًا بِهِمْ , وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْخَطَأُ بِسَبَبٍ غَيْرِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت