لَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ السَّائِلَ إنَّمَا يَسْأَلُنِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; فَلَا بُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ أَنَّ الَّذِي أَفْتَيْتُهُ بِهِ غَيْرُ مَذْهَبِهِ , فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ: أَكْثَرُ الْمُسْتَفْتِينَ لَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا , وَإِنَّمَا سُؤَالُهُ عَنْ حُكْمِهَا وَمَا يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا , فَلَا يَسَعُ الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يَعْتَقِدُ الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِ.
[إذَا تَسَاوَى عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ فَمَاذَا يَصْنَعُ؟] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ: (إذَا اعْتَدَلَ عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ) , فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ , كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ , وَقِيلَ: بَلْ يُخَيِّرُ الْمُسْتَفْتِيَ فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْتِي بِمَا يَرَاهُ , وَاَلَّذِي يَرَاهُ هُوَ التَّخْيِيرُ , وَقِيلَ: بَلْ يُفْتِيهِ بِالْأَحْوَطِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ , وَلَا يُفْتِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَأٌ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَوَابٌ , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ , وَهَذَا كَمَا إذَا تَعَارَضَ عِنْدَ الطَّبِيبِ فِي أَمْرِ الْمَرِيضِ أَمْرَانِ خَطَأٌ وَصَوَابٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَحَدِهِمَا , وَلَا يُخَيِّرَهُ , وَكَمَا لَوْ اسْتَشَارَهُ فِي أَمْرٍ فَتَعَارَضَ عِنْدَهُ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُشِيرَ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يُخَيِّرَهُ , وَكَمَا لَوْ تَعَارَضَ عِنْدَهُ طَرِيقَانِ مُهْلِكَةٌ وَمُوَصِّلَةٌ , وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ طَرِيقُ الصَّوَابِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِقْدَامُ وَلَا التَّخْيِيرُ , فَمَسَائِلُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَوْلَى بِالتَّوَقُّفِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلْ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِالْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ إمَامُهُ؟] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ: (أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ يُفْتُونَ كَثِيرًا بِأَقْوَالِهِمْ الْقَدِيمَةِ الَّتِي رَجَعُوا عَنْهَا) , وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الطَّوَائِفِ ; فَالْحَنَفِيَّةُ يُفْتُونَ بِلُزُومِ الْمَنْذُورَاتِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ الْيَمِينِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ , وَقَدْ حَكَوْا هُمْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَى التَّكْفِيرِ , وَالْحَنَابِلَةُ يُفْتِي كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِوُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ , وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ إلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُ , وَالشَّافِعِيَّةُ يُفْتُونَ بِالْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِي مَسْأَلَةِ التَّثْوِيبِ , وَامْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ , وَمَسْأَلَةِ التَّبَاعُدِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ , وَعَدَمِ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ , وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ مَسْأَلَةً , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ , فَإِذَا أَفْتَى الْمُفْتِي بِهِ مَعَ نَصِّهِ عَلَى خِلَافِهِ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبِهِ , فَمَا الَّذِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: الْأَوَّلُ قَدْ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ مَرَّةً , بِخِلَافِ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ قَطُّ. قِيلَ: هَذَا فَرْقٌ عَدِيمُ التَّاثِيرِ ; إذْ مَا قَالَ بِهِ وَصَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ بِمَنْزِلِهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ , وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَتَقَيَّدُونَ بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ الَّذِي يَهْجُرُونَ لِأَجْلِهِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ خَالَفَ مَنْ قَلَّدُوهُ. وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ ذَمِيمَةٌ وَخَيْمَةٌ , حَادِثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ , مُسْتَلْزِمَةٌ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَطَأِ , وَمُخَالِفَةٌ الصَّوَابَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ: (يَحْرُمُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِضِدِّ لَفْظِ النَّصِّ , وَإِنْ وَافَقَ مَذْهَبَهُ) . وَمِثَالُهُ: أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ , هَلْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ أَمْ لَا؟ فَيَقُولَ: لَا يُتِمُّهَا , وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ} . وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَمَّنْ مَاتَ عَلَيْهِ صِيَامٌ: هَلْ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ؟ فَيَقُولَ: لَا يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ , وَصَاحِبُ الشَّرْعِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ} . وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ , هَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ؟ فَيَقُولَ: لَيْسَ أَحَقَّ بِهِ , وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: {فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ} . وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا , هَلْ يُتِمُّ صَوْمَهُ؟ فَيَقُولَ: لَا يُتِمُّ صَوْمَهُ , وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: {فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ} . وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ