حُجَّةٌ مُنْفَرِدًا وَكَذَا نَقُولُ فِيمَا بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ مُكَرَّرًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ أَنَّ إجْمَاعَهُمَا حُجَّةٌ (قَوْلُهُ: لَمَّا آلَ الْأَمْرُ إلَيْهِ) أَيْ أَمْرُ الْخِلَافَةِ (قَوْلُهُ: فَكَانَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ {عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي} إلَخْ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمْ حُجَّةٌ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ قَوْلِ غَيْرِهِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: مَشْيَخَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشَّيْنِ وَفَتْحِ الْيَاءِ كَمُتَرَتِّبَةٍ مِنْ جُمْلَةِ جُمُوعِ شَيْخٍ (قَوْلُهُ: أَمَّا وِفَاقُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ وَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا مَظِنَّةَ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى فِي الْجَدِيدِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً فَكَيْفَ احْتَجَّ بِقَوْلِ زَيْدٍ وَقَلَّدَهُ الْفَرَائِضَ أَشَارَ إلَى جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا وِفَاقُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا تَقْلِيدًا) أَيْ فِي السِّيَاقِ وَالِاحْتِجَاجِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى السِّيَاقِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم إلَخْ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الثَّنَاءِ عَلَى زَيْدٍ إذْ لَا شَاهِدَ فِيهِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ
فَصْلٌ: [الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ]
فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَالْفَتَاوِي الصَّحَابِيَّةِ , وَأَنَّهَا أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِهَا مِنْ آرَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفَتَاوِيهمْ , وَأَنَّ قُرْبَهَا إلَى الصَّوَابِ بِحَسَبِ قُرْبِ أَهْلِهَا مِنْ عَصْرِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ , وَأَنَّ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مِنْ فَتَاوَى التَّابِعِينَ , وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ أَوْلَى مِنْ فَتَاوَى تَابِعِي التَّابِعِينَ , وَهَلُمَّ جَرًّا وَكُلَّمَا كَانَ الْعَهْدُ بِالرَّسُولِ أَقْرَبَ كَانَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ , وَهَذَا حُكْمٌ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِنْ الْمَسَائِلِ , كَمَا أَنَّ عَصْرَ التَّابِعِينَ , وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَصْرِ تَابِعِيهِمْ فَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٌ , وَلَكِنْ الْمُفَضَّلُونَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُفَضَّلِينَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَأَخِّرِ , وَهَكَذَا الصَّوَابُ فِي أَقْوَالِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الصَّوَابِ فِي أَقْوَالِ مَنْ بَعْدِهِمْ ; فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ عُلُومِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ , وَلَعَلَّهُ لَا يَسَعَ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُفْتِيَ وَيَحْكُمَ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُقَلِّدِي الْأَئِمَّةِ وَيَاخُذَ بِرَايِهِ وَتَرْجِيحِهِ وَيَتْرُكَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ , وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ , وَأَمْثَالِهِمْ , بَلْ يَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ , وَأَمْثَالِهِمْ , بَلْ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , وَأَمْثَالِهِمْ , بَلْ لَا يَعُدُّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَشُرَيْحٍ , وَأَبِي وَائِلٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ , وَأَضْرَابِهِمْ مِمَّا يَسُوغُ الْأَخْذُ بِهِ , بَلْ يَرَى تَقْدِيمَ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ مَنْ قَلَّدَهُ عَلَى فَتْوَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ [وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ] , وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ , وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , وَأَضْرَابِهِمْ , فَلَا يَدْرِي مَا عُذْرُهُ غَدًا عِنْدَ اللَّهِ إذَا سَوَّى بَيْنَ أَقْوَالِ أُولَئِكَ وَفَتَاوِيهِمْ , وَأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ وَفَتَاوِيهِمْ , فَكَيْفَ إذَا رَجَّحَهَا عَلَيْهَا؟ فَكَيْفَ إذَا عَيَّنَ الْأَخْذَ بِهَا حُكْمًا , وَإِفْتَاءً , وَمَنَعَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ , وَاسْتَجَازَ عُقُوبَةَ مَنْ خَالَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهَا , وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ وَمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَأَنَّهُ يَكِيدُ الْإِسْلَامَ؟ تَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَ بِالْمَثَلِ الْمَشْهُورِ""