فهرس الكتاب
أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى نَفْسِهِ , وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ غَيْرَهُ , وَفِي جَوَازِ اسْتِفْتَاءِ مَسْتُورِ الْحَالِ وَجْهَانِ , وَالصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَائِهِ وَإِفْتَائِهِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْفَاسِقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ , فَحُكْمُ اسْتِفْتَائِهِ حُكْمُ إمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ , وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ ; فَالْوَاجِبُ شَيْءٌ وَالْوَاقِعُ شَيْءٌ وَالْفَقِيهُ مِنْ يُطَبِّقُ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْوَاجِبِ وَيُنَفِّذُ الْوَاجِبَ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ , لَا مَنْ يَلْقَى الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْوَاقِعِ , فَلِكُلِّ زَمَانٍ حُكْمٌ , وَالنَّاسُ بِزَمَانِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ , وَإِذَا عَمَّ الْفُسُوقُ وَغَلَبَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَوْ مُنِعَتْ إمَامَةُ الْفُسَّاقِ وَشَهَادَاتُهُمْ وَأَحْكَامُهُمْ وَفَتَاوِيهِمْ وَوِلَايَاتُهُمْ لَعُطِّلَتْ الْأَحْكَامُ , وَفَسَدَ نِظَامُ الْخَلْقِ , وَبَطَلَتْ أَكْثَرُ الْحُقُوقِ , وَمَعَ هَذَا فَالْوَاجِبُ اعْتِبَارُ الْأَصْلَحِ فَالْأَصْلَحِ , وَهَذَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ , وَأَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْغَلَبَةِ بِالْبَاطِلِ فَلَيْسَ إلَّا الِاصْطِبَارُ , وَالْقِيَامُ بِأَضْعَفِ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ.
[هَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ؟] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: (لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ فِي جَوَازِ الْإِفْتَاءِ بِمَا تَجُوزُ الْفُتْيَا بِهِ) , وَوُجُوبُهَا إذَا تَعَيَّنَتْ , وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى هَذَا فَإِنَّ مَنْصِبَ الْفُتْيَا دَاخِلٌ فِي ضِمْنِ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَاَلَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ قَضَاءَ الْجَاهِلِ فَالْقَاضِي مُفْتٍ وَمُثَبِّتٌ وَمُنَفِّذٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ , وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ , دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا , وَاحْتَجَّ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ فُتْيَاهُ تَصِيرُ كَالْحُكْمِ مِنْهُ عَلَى الْخَصْمِ , وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ , قَالُوا: وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ وَقْتَ الْحُكُومَةِ أَوْ تَظْهَرُ لَهُ قَرَائِنُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ , فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى فُتْيَاهُ وَالْحُكْمِ بِمُوجِبِهَا حُكِمَ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ , وَإِنْ حُكِمَ بِخِلَافِهَا طَرَقَ الْخَصْمُ إلَى تُهْمَتِهِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ وَيُفْتِي بِهِ , وَلِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ: أَنَا أَقْضِي لَكُمْ وَلَا أُفْتِي , حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ , وَاخْتَارَ كَرَاهِيَةَ الْفَتْوَى فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ , وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: لِأَصْحَابِنَا فِي فَتْوَاهُ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ جَوَابَانِ , أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا ; لِأَنَّ لِكَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ مَجَالًا وَلِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ مَقَالًا , وَالثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَهْلٌ لَهُ.
[فُتْيَا الْحَاكِمِ وَحُكْمُهَا] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: (فُتْيَا الْحَاكِمِ لَيْسَتْ حُكْمًا مِنْهُ) , وَلَوْ حَكَمَ غَيْرُهُ بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِهِ , وَلَا هِيَ كَالْحُكْمِ , وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ وَمَنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ , وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ هِنْدٍ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا أَفْتَاهَا فَتْوَى مُجَرَّدَةً , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ , وَكَانَتْ مُرَاسَلَتُهُ وَإِحْضَارُهُ مُمْكِنَةً , وَلَا طَلَبَ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهَا , وَهَذَا ظَاهِرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.
[هَلْ يُجِيبُ الْمُفْتِي عَمَّا لَمْ يَقَعْ؟] الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا سَأَلَ الْمُسْتَفْتِي عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ تَقَعْ , فَهَلْ تُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ أَوْ تُكْرَهُ أَوْ تَخَيَّرَ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ , وَقَدْ حُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ , وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذَا سَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ: هَلْ كَانَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ تَكَلَّفَ لَهُ الْجَوَابَ , وَإِلَّا قَالَ: دَعْنَا فِي عَافِيَةٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إمَامٌ. وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ , فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ أَثَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يُكْرَهْ الْكَلَامُ فِيهَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ وَلَا أَثَرٌ فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةَ الْوُقُوعِ أَوْ مُقَدَّرَةً لَا تَقَعُ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الْكَلَامُ فِيهَا , وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا غَيْرَ نَادِرٍ وَلَا مُسْتَبْعَدٍ , وَغَرَضُ السَّائِلِ الْإِحَاطَةُ بِعِلْمِهَا لِيَكُونَ مِنْهَا عَلَى بَصِيرَةٍ إذَا وَقَعَتْ اُسْتُحِبَّ لَهُ