فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 129

بِمَذْهَبِهِ , فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ رَوَاهُ وَعَرَفَ صِحَّتَهُ , وَلَكِنْ خَالَفَهُ , لِاعْتِقَادِهِ نَسْخَهُ. وَهَذَا شَيْءٌ وَذَاكَ شَيْءٌ , فَفِي هَذَا الْقِسْمِ يَقَعُ النَّظَرُ فِي النَّسْخِ وَعَدَمِهِ , وَفِي الْأَوَّلِ يَقَعُ النَّظَرُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَثِقَةِ السَّنَدِ , فَاعْرِفْهُ.

[هَلْ تَجُوزُ الْفُتْيَا لِمَنْ عِنْدَهُ كُتُبُ الْحَدِيثِ؟] الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ الصَّحِيحَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِتَابٌ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْثُوقٌ بِمَا فِيهِ , فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَجِدُهُ فِيهِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مَنْسُوخًا , أَوْ لَهُ مُعَارِضٌ , أَوْ يَفْهَمُ مِنْ دَلَالَتِهِ خِلَافَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ , أَوْ يَكُونُ أَمْرَ نَدْبٍ فَيَفْهَمُ مِنْهُ الْإِيجَابَ , أَوْ يَكُونُ عَامًّا لَهُ مُخَصِّصٌ , أَوْ مُطْلَقًا لَهُ مُقَيِّدٌ , فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ وَلَا الْفُتْيَا بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْفُتْيَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ , وَيُفْتِيَ بِهِ , بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ , كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ , إذَا بَلَغَهُمْ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَادَرُوا إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا بَحْثٍ عَنْ مُعَارِضٍ , وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ: هَلْ عَمِلَ بِهَذَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ وَلَوْ رَأَوْا مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ , وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ , وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِحَالِ الْقَوْمِ وَسِيرَتِهِمْ , وَطُولُ الْعَهْدِ بِالسُّنَّةِ وَبُعْدُ الزَّمَانِ وَعِتْقُهَا لَا يُسَوِّغُ تَرْكَ الْأَخْذِ بِهَا وَالْعَمَلَ بِغَيْرِهَا , وَلَوْ كَانَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهَا بَعْدَ صِحَّتِهَا حَتَّى يَعْمَلَ بِهَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ لَكَانَ قَوْلُ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ عِيَارًا عَلَى السُّنَنِ , وَمُزَكِّيًا لَهَا , وَشَرْطًا فِي الْعَمَلِ بِهَا , وَهَذَا مِنْ أَبْطَلْ الْبَاطِلِ , وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ الْحُجَّةَ بِرَسُولِهِ دُونَ آحَادِ الْأُمَّةِ , وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَبْلِيغِ سُنَّتِهِ , وَدَعَا لِمَنْ بَلَّغَهَا ; فَلَوْ كَانَ مَنْ بَلَغَتْهُ لَا يَعْمَلُ بِهَا حَتَّى يَعْمَلَ بِهَا الْإِمَامُ فُلَانٌ , وَالْإِمَامُ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ فِي تَبْلِيغِهَا فَائِدَةٌ , وَحَصَلَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ. قَالُوا: وَالنَّسْخُ الْوَاقِعُ فِي الْأَحَادِيثِ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ لَا يَبْلُغُ عَشْرَةَ أَحَادِيثَ أَلْبَتَّةَ بَلْ وَلَا شَطْرَهَا ; فَتَقْدِيرُ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِي الذَّهَابِ إلَى الْمَنْسُوخِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِي تَقْلِيدِ مَنْ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ , وَيَجُوزُ عَلَيْهِ التَّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ , وَيَقُولُ الْقَوْلَ وَيَرْجِعُ عَنْهُ , وَيَحْكِي عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ , وَوُقُوعُ الْخَطَأِ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْمَعْصُومِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْفَقِيهِ الْمُعَيَّنِ ; فَلَا يُفْرَضُ احْتِمَالُ خَطَأٍ لِمَنْ عَمِلَ بِالْحَدِيثِ وَأَفْتَى بِهِ إلَّا وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِ حَاصِلٌ لِمَنْ أَفْتَى بِتَقْلِيدِ مَنْ لَا يُعْلَمُ خَطَؤُهُ مِنْ صَوَابِهِ. وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ ; فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْحَدِيثِ ظَاهِرَةً بَيِّنَةً لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُرَادِ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ , وَيُفْتِيَ بِهِ , وَلَا يُطْلَبُ لَهُ التَّزْكِيَةُ مِنْ قَوْلِ فَقِيهٍ أَوْ إمَامٍ , بَلْ الْحُجَّةُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ خَالَفَهُ مَنْ خَالَفَهُ , وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً لَا يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ , وَلَا يُفْتِيَ بِمَا يَتَوَهَّمُهُ مُرَادًا حَتَّى يَسْأَلَ وَيَطْلُبَ بَيَانَ الْحَدِيثِ وَوَجْهَهُ , وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةً كَالْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ , وَالْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ , وَالنَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ ; فَهَلْ لَهُ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى بِهِ؟ يَخْرُجُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِالظَّوَاهِرِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُعَارِضِ , وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: الْجَوَازُ , وَالْمَنْعُ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ [وَالْخَاصِّ] فَلَا يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ , وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَيُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُعَارِضِ , وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ ثَمَّ نَوْعُ أَهْلِيَّةٍ وَلَكِنَّهُ قَاصِرٌ فِي مَعْرِفَةِ الْفُرُوعِ وَقَوَاعِدِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْعَرَبِيَّةِ , وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ أَهْلِيَّةٌ قَطُّ فَفَرْضُهُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَلَا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا , إنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ} وَإِذَا جَازَ اعْتِمَادُ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الْمُفْتِي مِنْ كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِ شَيْخِهِ وَإِنْ عَلَا وَصَعِدَ فَمِنْ كَلَامِ إمَامِهِ ; فَلَأَنْ يَجُوزَ اعْتِمَادُ الرَّجُلِ عَلَى مَا كَتَبَهُ الثِّقَاتُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى بِالْجَوَازِ , وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ الْحَدِيثَ كَمَا لَوْ لَمْ يَفْهَمْ فَتْوَى الْمُفْتِي فَيَسْأَلُ مَنْ يُعَرِّفُهُ مَعْنَاهُ , كَمَا يَسْأَلُ مَنْ يُعَرِّفُهُ مَعْنَى جَوَابِ الْمُفْتِي , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت