وَصْفَهُمَا وَالْحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ وَرَأَى بَعْضُ الْمُلُوكِ كَأَنَّ أَسْنَانَهُ قَدْ سَقَطَتْ , فَعَبَّرَهَا لَهُ مُعَبِّرٌ بِمَوْتِ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ , فَأَقْصَاهُ وَطَرَدَهُ , وَاسْتَدْعَى آخَرَ فَقَالَ لَهُ: لَا عَلَيْكَ , تَكُونُ أَطْوَلَ أَهْلِكَ عُمْرًا , فَأَعْطَاهُ وَأَكْرَمَهُ وَقَرَّبَهُ , فَاسْتَوْفَى الْمَعْنَى , وَغَيَّرَ لَهُ الْعِبَارَةَ , وَأَخْرَجَ الْمَعْنَى فِي قَالِبٍ حَسَنٍ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ , وَلَا يُعِينُ عَلَيْهَا , وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا ; فَيُضَادُّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكْرنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يُخَادِعُونَ اللَّهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ أَرْبَابِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَكَرَ بِهِ} وَقَالَ: {لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهَ بِأَدْنَى الْحِيَلِ} وَقَالَ: {الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ} وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: {مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِآيَاتِهِ , طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ , طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ؟ وَفِي لَفْظٍ: خَلَعْتُكِ رَاجَعْتُكِ خَلَعْتُكِ رَاجَعْتُكِ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا} وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ , وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ , وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ الْمَكْرُ وَالْبَغْيُ وَالنَّكْثُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ} وَقَالَ تَعَالَى {إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هَذِهِ الْحِيَلُ الَّتِي وَضَعَهَا هَؤُلَاءِ , عَمَدُوا إلَى السُّنَنِ فَاحْتَالُوا فِي نَقْضِهَا أَتَوْا إلَى الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إنَّهُ حَرَامٌ فَاحْتَالُوا فِيهِ حَتَّى حَلَّلُوهُ , وَقَالَ: مَا أَخْبَثَهُمْ , - يَعْنِي أَصْحَابَ الْحِيَلِ - يَحْتَالُونَ لِنَقْضِ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ: مَنْ احْتَالَ بِحِيلَةٍ فَهُوَ حَانِثٌ. وَقَالَ: إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ احْتَالَ بِحِيلَةٍ فَصَارَ إلَيْهَا فَقَدْ صَارَ إلَى الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ.
حُكْمُ أَخْذِ الْمُفْتِي أُجْرَةً أَوْ هَدِيَّةً] الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالرِّزْقِ عَلَى الْفَتْوَى , فِيهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ مُخْتَلِفَةُ السَّبَبِ وَالْحُكْمِ. فَأَمَّا أَخْذُهُ الْأُجْرَةَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ; لِأَنَّ الْفُتْيَا مَنْصِبُ تَبْلِيغٍ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ , كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: لَا أُعَلِّمُكَ الْإِسْلَامَ أَوْ الْوُضُوءَ أَوْ الصَّلَاةَ إلَّا بِأُجْرَةٍ , أَوْ سُئِلَ عَنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: لَا أُجِيبُكَ عَنْهُ إلَّا بِأُجْرَةٍ , فَهَذَا حَرَامٌ قَطْعًا , وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْعِوَضِ , وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنْ أَجَابَ بِالْخَطِّ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لِلسَّائِلِ: لَا يَلْزَمُنِي أَنْ أَكْتُبَ لَكَ خَطِّي إلَّا بِأُجْرَةٍ , وَلَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ , وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَةِ النَّاسِخِ ; فَإِنَّهُ يَاخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى خَطِّهِ , وَلَا عَلَى جَوَابِهِ , وَخَطُّهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى جَوَابِهِ. وَالصَّحِيحُ خِلَافُ ذَلِكَ , وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ مَجَّانًا لِلَّهِ بِلَفْظِهِ وَخَطِّهِ , وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ الْوَرَقُ وَلَا الْحِبْرُ. وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ , فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الْفَتْوَى كَمَنْ عَادَتُهُ يُهَادِيهِ أَوْ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مُفْتٍ فَلَا بَاسَ بِقَبُولِهَا , وَالْأَوْلَى أَنْ يُكَافِئَ عَلَيْهَا , وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الْفَتْوَى , فَإِنْ كَانَتْ سَبَبًا إلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يُهْدِي لَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ , وَإِنْ كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ عِنْدَهُ فِي الْفُتْيَا , بَلْ يُفْتِيهِ بِمَا يُفْتِي بِهِ النَّاسُ , كَرِهَ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى الْإِفْتَاءِ. وَأَمَّا أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا