فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 129

عَنْ دِينِهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّ مَنْ جَاءَهُ يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ لِأَجْلِ غَرَضِهِ لَا لِالْتِزَامِهِ لِدِينِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} فَهَؤُلَاءِ لَمَّا لَمْ يَلْتَزِمُوا دِينَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[ذِكْرُ الْفَتْوَى مَعَ دَلِيلِهَا أَوْلَى] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ: عَابَ بَعْضُ النَّاسِ ذِكْرَ الِاسْتِدْلَالِ فِي الْفَتْوَى , وَهَذَا الْعَيْبُ أَوْلَى بِالْعَيْبِ , بَلْ جَمَالُ الْفَتْوَى وَرُوحُهَا هُوَ الدَّلِيلُ , فَكَيْفَ يَكُونُ ذِكْرُ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ رضوان الله عليهم وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ عَيْبًا؟ وَهَلْ ذِكْرُ قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا طِرَازُ الْفَتَاوَى؟ وَقَوْلُ الْمُفْتِي لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْأَخْذِ بِهِ , فَإِذَا ذُكِرَ الدَّلِيلُ فَقَدْ حَرُمَ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ يُخَالِفَهُ , وَبَرِئَ هُوَ مِنْ عُهْدَةِ الْفَتْوَى بِلَا عِلْمٍ , وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَضْرِبُ لَهَا الْأَمْثَالَ وَيُشَبِّهُهَا بِنَظَائِرِهَا , هَذَا وَقَوْلُهُ وَحْدَهُ حُجَّةٌ , فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ بِحُجَّةٍ وَلَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ؟ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ وَأَعْلَاهَا أَنْ يَسُوغَ لَهُ قَبُولَ قَوْلِهِ , وَهَيْهَاتَ أَنْ يَسُوغَ بِلَا حُجَّةٍ , وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَفْتَى بِالْحُجَّةِ نَفْسِهَا , فَيَقُولُ: قَالَ اللَّهُ كَذَا , وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَا , أَوْ فَعَلَ كَذَا , فَيَشْفِي السَّائِلَ , وَيَبْلُغُ الْقَائِلُ , وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي فَتَاوِيهِمْ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا , ثُمَّ جَاءَ التَّابِعُونَ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْكُرُ الْحُكْمَ ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ , وَعِلْمُهُ يَابَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَا حُجَّةٍ , وَالسَّائِلُ يَابَى قَبُولَ قَوْلِهِ بِلَا دَلِيلٍ. ثُمَّ طَالَ الْأَمَدُ وَبَعُدَ الْعَهْدُ بِالْعِلْمِ , وَتَقَاصَرَتْ الْهِمَمُ إلَى أَنْ صَارَ بَعْضُهُمْ يُجِيبُ بِنَعَمْ أَوْ لَا فَقَطْ , وَلَا يَذْكُرُ لِلْجَوَابِ دَلِيلًا وَلَا مَاخَذًا , وَيَعْتَرِفُ بِقُصُورِهِ وَفَضْلِ مَنْ يُفْتِي بِالدَّلِيلِ , ثُمَّ نَزَلْنَا دَرَجَةً أُخْرَى إلَى أَنْ وَصَلَتْ الْفَتْوَى إلَى عَيْبِ مَنْ يُفْتِي بِالدَّلِيلِ وَذَمِّهِ , وَلَعَلَّهُ أَنْ يُحْدِثَ لِلنَّاسِ طَبَقَةً أُخْرَى لَا يُدْرَى مَا حَالُهُمْ فِي الْفَتَاوَى , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

[هَلْ يُقَلِّدُ الْمُفْتِي الْمَيِّتَ إذًا عَلِمَ عَدَالَتَهُ؟] الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ إذَا عَلِمَ عَدَالَتَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَ الْحَيَّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ , أَصَحُّهُمَا لَهُ ذَلِكَ ; فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا , وَلَوْ بَطَلَتْ بِمَوْتِهِمْ لَبَطَلَ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْفِقْهِ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ , وَلَمْ يَسُغْ لَهُمْ تَقْلِيدُهُمْ وَالْعَمَلُ بِأَقْوَالِهِمْ , وَأَيْضًا لَوْ بَطَلَتْ أَقْوَالُهُمْ بِمَوْتِهِمْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَالنِّزَاعِ , وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُمَا , وَكَذَلِكَ الرَّاوِي لَا تَبْطُلُ رِوَايَتُهُ بِمَوْتِهِ , فَكَذَلِكَ الْمُفْتِي لَا تَبْطُلُ فَتْوَاهُ بِمَوْتِهِ , وَمَنْ قَالَ: تَبْطُلُ فَتْوَاهُ بِمَوْتِهِ قَالَ: أَهْلِيَّتُهُ زَالَتْ بِمَوْتِهِ , وَلَوْ عَاشَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ , وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ , وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُفْتِي أَبُو الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنْ مَاتَ الْمُفْتِي قَبْلَ عَمَلِ الْمُسْتَفْتِي فَلَهُ الْعَمَلُ بِهَا , وَقِيلَ: لَا يَعْمَلُ بِهَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[إذَا تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ فَهَلْ يَسْتَفْتِي مِنْ جَدِيدٍ؟] الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ: إذَا اسْتَفْتَاهُ عَنْ حُكْمِ حَادِثَةٍ فَأَفْتَاهُ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ , ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً , فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِتِلْكَ الْفَتْوَى الْأُولَى أَمْ يَلْزَمُهُ الِاسْتِفْتَاءُ مَرَّةً ثَانِيَةً؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ , فَمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ قَالَ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ , فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالْفَتْوَى وَإِنْ أَمْكَنَ تَغَيُّرُ اجْتِهَادِهِ , كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْإِفْتَاءِ وَإِنْ جَازَ تَغَيُّرُ اجْتِهَادِهِ , وَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ بَقَاءِ الْمُفْتِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ , فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَيَكُونَ الْمُسْتَفْتِي قَدْ عَمِلَ بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَ مَنْ اسْتَفْتَاهُ , وَلِهَذَا رَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ عَلَى قَوْلِ الْحَيِّ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلِيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ ; فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ

[هَلْ يَلْزَمُ اسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ؟] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ: هَلْ يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ وَيَسْأَلَ الْأَعْلَمَ وَالْأَدْيَنَ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ كَمَا سَبَقَ , وَبَيَّنَّا مَاخَذَهُمَا ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت