فهرس الكتاب
مِنْ الْعُلُومِ , أَوْ فِي بَابِ الْجِهَادِ أَوْ الْحَجِّ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ; فَهَذَا لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِيمَا لَمْ يَجْتَهِدْ فِيهِ , وَلَا تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِمَا اجْتَهَدَ فِيهِ مُسَوِّغَةً لَهُ الْإِفْتَاءَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي غَيْرِهِ , وَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي النَّوْعِ الَّذِي اجْتَهَدَ فِيهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا الْجَوَازُ , بَلْ هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ. وَالثَّالِثُ: الْجَوَازُ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهَا. فَحُجَّةُ الْجَوَازِ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحَقَّ بِدَلِيلِهِ , وَقَدْ بَذَلَ جَهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ ; فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فِي سَائِرِ الْأَنْوَاعِ. وَحُجَّةُ الْمَنْعِ تَعَلُّقُ أَبْوَابِ الشَّرْعِ وَأَحْكَامِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ , فَالْجَهْلُ بِبَعْضِهَا مَظِنَّةٌ لِلتَّقْصِيرِ فِي الْبَابِ وَالنَّوْعِ الَّذِي قَدْ عَرَفَهُ , وَلَا يَخْفَى الِارْتِبَاطُ بَيْنَ كِتَابِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَكِتَابِ الْفَرَائِضِ , وَكَذَلِكَ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ كِتَابِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ , وَكِتَابِ الْحُدُودِ وَالْأَقْضِيَةِ وَالْأَحْكَامِ , وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا رَأَى انْقِطَاعَ أَحْكَامِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَمَعْرِفَةِ الْفُرُوضِ وَمَعْرِفَةِ مُسْتَحَقِّهَا عَنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالرُّهُونِ وَالنِّضَالِ وَغَيْرِهَا , وَعَدَمِ تَعَلُّقَاتِهَا , وَأَيْضًا فَإِنَّ عَامَّةَ أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ قَطْعِيَّةٌ , وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ مَسْأَلَةٍ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ , هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِمَا؟ قِيلَ: نَعَمْ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ , وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , وَهَلْ هَذَا إلَّا مِنْ التَّبْلِيغِ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ , وَجَزَى اللَّهُ مِنْ أَعَانَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ خَيْرًا , وَمَنْعُ هَذَا مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا عَلِمَ خَطَأٌ مَحْضٌ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَنْ تَصَدَّرَ لِلْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا أَثِمَ] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ أَفْتَى النَّاسَ وَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْفَتْوَى فَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ , وَمَنْ أَقَرَّهُ مَنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ أَيْضًا. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ رحمه الله: وَيَلْزَمُ وَلِيَّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ كَمَا فَعَلَ بَنُو أُمَيَّةَ , وَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَدُلُّ الرَّكْبَ , وَلَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ , وَبِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى الَّذِي يُرْشِدُ النَّاسَ إلَى الْقِبْلَةِ , وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالطِّبِّ وَهُوَ يَطِبُّ النَّاسَ , بَلْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ , وَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعَ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ التَّطَبُّبَ مِنْ مُدَاوَاةِ الْمَرْضَى , فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ؟. وَكَانَ شَيْخُنَا رضي الله عنه شَدِيدَ الْإِنْكَارِ عَلَى هَؤُلَاءِ , فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ لِي بَعْضُ هَؤُلَاءِ: أَجَعَلْتَ مُحْتَسِبًا عَلَى الْفَتْوَى؟ فَقُلْتُ لَهُ: يَكُونُ عَلَى الْخَبَّازِينَ وَالطَّبَّاخِينَ مُحْتَسِبٌ وَلَا يَكُونُ عَلَى الْفَتْوَى مُحْتَسِبٌ؟ وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَرْفُوعًا: {مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إثْمُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَفْتَاهُ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ , وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ , فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا ; فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا} وَفِي أَثَرٍ مَرْفُوعٍ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ: {مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الْأَرْضِ} . وَكَانَ مَالِكٌ رحمه الله يَقُولُ: مَنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَيَنْبَغِي لَهُ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ فِيهَا أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ , وَكَيْفُ يَكُونُ خَلَاصُهُ فِي الْآخِرَةِ , ثُمَّ يُجِيبَ فِيهَا. وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي , فَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ , فَغَضِبَ , وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ , أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} فَالْعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ , وَخَاصَّةً مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ , وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ , وَمَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ رَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ , فَأَمَرَانِي بِذَلِكَ , وَلَوْ نَهَيَانِي انْتَهَيْتُ , قَالَ: وَإِذَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَصْعُبُ عَلَيْهِمْ الْمَسَائِلُ , وَلَا يُجِيبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ حَتَّى يَاخُذَ رَايَ صَاحِبِهِ مَعَ مَا رُزِقُوا مِنْ السَّدَادِ وَالتَّوْفِيقِ وَالطَّهَارَةِ , فَكَيْفَ بِنَا الَّذِينَ غَطَّتْ الذُّنُوبُ وَالْخَطَايَا قُلُوبَنَا؟ وَكَانَ رحمه الله