فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 129

عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَلَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ اللَّطِيفَةُ الْحَسَنَةُ عَلَى مَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ , وَقَدَّرَ فِي الْحَدِيثِ: وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم {لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا} فَلَمَّا كَانَ نَهْيُهُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا نَوْعَ تَعْظِيمٍ لَهَا عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهَا حَتَّى تُجْعَلَ قِبْلَةً. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقُرْآنِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِنِسَاءِ نَبِيِّهِ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} فَنَهَاهُنَّ عَنْ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ , فَرُبَّمَا ذَهَبَ الْوَهْمُ إلَى الْإِذْنِ فِي الْإِغْلَاظِ فِي الْقَوْلِ وَالتَّجَاوُزِ , فَرَفَعَ هَذَا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى {وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} لَمَّا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِإِلْحَاقِ الذُّرِّيَّةِ وَلَا عَمَلَ لَهُمْ بِآبَائِهِمْ فِي الدَّرَجَةِ فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنْ يَحُطَّ الْآبَاءَ إلَى دَرَجَةِ الذُّرِّيَّةِ , فَرَفَعَ هَذَا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أَيْ مَا نَقَصْنَا مِنْ الْآبَاءِ شَيْئًا مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ , بَلْ رَفَعْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ إلَى دَرَجَتِهِمْ , وَلَمْ نَحُطَّهُمْ إلَى دَرَجَتِهِمْ بِنَقْصِ أُجُورِهِمْ. وَلَمَّا كَانَ الْوَهْمُ قَدْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِ النَّارِ كَمَا يَفْعَلُهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ قَطَعَ هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} وَمِنْ هَذَا قوله تعالى {: إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} فَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ رُبُوبِيَّتِهِ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ قَدْ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى {: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} فَلَمَّا ذَكَرَ كِفَايَتَهُ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا أَوْهَمَ ذَلِكَ تَعْجِيلَ الْكِفَايَةِ وَقْتَ التَّوَكُّلِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أَيْ وَقْتًا لَا يَتَعَدَّاهُ فَهُوَ يَسُوقُهُ إلَى وَقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ. فَلَا يَسْتَعْجِلُ الْمُتَوَكِّلُ وَيَقُولُ: قَدْ تَوَكَّلْت , وَدَعَوْت فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَلَمْ تَحْصُلْ لِي الْكِفَايَةُ , فَاَللَّهُ بَالِغُ أَمْرِهِ فِي وَقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ , وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ , وَهُوَ بَابٌ لَطِيفٌ مِنْ أَبْوَابِ فَهْمِ النُّصُوصِ.

[مِمَّا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَذْكُرَ الْحُكْمَ بِدَلِيلِهِ] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلَ الْحُكْمِ وَمَاخَذَهُ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يُلْقِيهِ إلَى الْمُسْتَفْتِي سَاذَجًا مُجَرَّدًا عَنْ دَلِيلِهِ وَمَاخَذِهِ ; فَهَذَا لِضِيقِ عَطَنِهِ وَقِلَّةِ بِضَاعَتِهِ مِنْ الْعِلْمِ , وَمَنْ تَأَمَّلَ فَتَاوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي قَوْلُهُ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ رَآهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى حِكْمَةِ الْحُكْمِ وَنَظِيرِهِ , وَوَجْهِ مَشْرُوعِيَّتِهِ , وَهَذَا كَمَا {سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ , فَزَجَرَ عَنْهُ} , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ نُقْصَانَهُ بِالْجَفَافِ , وَلَكِنْ نَبَّهَهُمْ عَلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَسَبَبِهِ. وَمِنْ هَذَا {قَوْلُهُ لِعُمَرَ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قُبْلَةِ امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ , فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضَتْ ثُمَّ مَجَجْتَهُ , أَكَانَ يَضُرُّ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا} , فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْمَحْظُورِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَحْظُورَةً ; فَإِنَّ غَايَةَ الْقُبْلَةِ أَنَّهَا مُقَدِّمَةُ الْجِمَاعِ , فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِهِ تَحْرِيمُ مُقَدِّمَتِهِ , كَمَا أَنَّ وَضْعَ الْمَاءِ فِي الْفَمِ مُقَدِّمَةُ شُرْبِهِ , وَلَيْسَتْ الْمُقَدِّمَةُ مُحَرَّمَةً. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم {لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا , وَلَا عَلَى خَالَتِهَا , فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ} ; فَذَكَرَ لَهُمْ الْحُكْمَ , وَنَبَّهَهُمْ عَلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ. وَمِنْ ذَلِكَ {قَوْلُهُ لِأَبِي النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَقَدْ خَصَّ بَعْضَ وَلَدِهِ بِغُلَامٍ نَحَلَهُ إيَّاهُ , فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ} وَفِي لَفْظٍ {إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ} وَفِي لَفْظٍ {إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ} وَفِي لَفْظٍ {أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي} تَهْدِيدًا , لَا إذْنًا , فَإِنَّهُ لَا يَاذَنُ فِي الْجَوْرِ قَطْعًا , وَفِي لَفْظٍ: رُدَّهُ , وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَبَّهَهُ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَقَدْ قَالَ: لَهُ إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا , وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى , أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ , وَسَأُحَدِّثُك عَنْ ذَلِكَ , أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ , وَأَمَّا الظُّفُرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت