عَنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ , وَهَذَا فَرْعٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ عَامِلِ الزَّكَاةِ وَعَامِلِ الْيَتِيمِ , فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِعَامِلِ الزَّكَاةِ قَالَ: النَّفْعُ فِيهِ عَامٌّ , فَلَهُ الْأَخْذُ , وَمَنْ أَلْحَقَهُ بِعَامِلِ الْيَتِيمِ مَنَعَهُ مِنْ الْأَخْذِ , وَحُكْمُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُفْتِي , بَلْ الْقَاضِي أَوْلَى بِالْمَنْعِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا يَصْنَعُ الْمُفْتِي إذَا أَفْتَى فِي وَاقِعَةٍ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا أَفْتَى فِي وَاقِعَةٍ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى , فَإِنْ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ مُسْتَنَدَهَا , وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ اجْتِهَادِهِ أَفْتَى بِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا اجْتِهَادٍ , وَإِنْ ذَكَرَهَا وَنَسِيَ مُسْتَنِدَهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا دُونَ تَجْدِيدِ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ , أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْزَمَهُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ ; لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَظُهُورِ مَا كَانَ خَافِيًا عَنْهُ , وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ , وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَا يُغَيِّرُ اجْتِهَادَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ , وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ , وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُ مَعَ نَفْسِهِ فَادِحًا فِي عِلْمِهِ , بَلْ هَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَوَرَعِهِ , وَلِأَجْلِ هَذَا خَرَجَ عَنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَأَكْثَرُ , وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا - رحمه الله تعالى يَقُولُ: حَضَرْتُ عَقْدَ مَجْلِسٍ عِنْدَ نَائِبِ السُّلْطَانِ فِي وَقْفٍ أَفْتَى فِيهِ قَاضِي الْبَلَدِ بِجَوَابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , فَقَرَأَ جَوَابَهُ الْمُوَافِقَ لِلْحَقِّ , فَأَخْرَجَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ جَوَابَهُ الْأَوَّلَ , وَقَالَ: هَذَا جَوَابُكَ بِضِدِّ هَذَا فَكَيْفَ تَكْتُبُ جَوَابَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَوَجَمَ الْحَاكِمُ , فَقُلْتُ: هَذَا مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ , أَفْتَى أَوَّلًا بِشَيْءٍ , ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فَرَجَعَ إلَيْهِ , كَمَا يُفْتِي إمَامُهُ بِقَوْلٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ , وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ وَلَا دِينِهِ , وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ , فُسِّرَ بِذَلِكَ وَسُرِّيَ عَنْهُ.
[كُلُّ الْأَئِمَّةِ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَدِيثِ وَمَتَى صَحَّ فَهُوَ مَذْهَبُهُمْ] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله تعالى:"إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعَوُا مَا قُلْتُهُ"وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:"إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقُلْتُ أَنَا قَوْلًا فَأَنَا رَاجِعٌ عَنْ قَوْلِي وَقَائِلٌ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ"وَقَوْلُهُ:"إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ"وَقَوْلُهُ:"إذَا رَوَيْتُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ أَذْهَبْ إلَيْهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ"وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى صَرِيحٌ فِي مَدْلُولِهِ , وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ , لَا قَوْلَ لَهُ غَيْرُهُ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مَا خَالَفَ الْحَدِيثَ وَيُقَالُ:"هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ"وَلَا يَحِلُّ الْإِفْتَاءُ بِمَا خَالَفَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ , وَلَا الْحُكْمُ بِهِ , صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَتْبَاعِهِ , حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لِلْقَارِئِ إذَا قَرَأَ عَلَيْهِ مَسْأَلَةً مِنْ كَلَامِهِ: قَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِخِلَافِهَا , اضْرِبْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَيْسَتْ مَذْهَبَهُ , وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَطْعًا , وَلَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ , فَكَيْفَ إذَا نَصَّ عَلَيْهِ وَأَبْدَى فِيهِ وَأَعَادَ وَصَرَّحَ فِيهِ بِأَلْفَاظٍ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي مَدْلُولِهَا؟ فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ مَذْهَبَهُ وَقَوْلَهُ الَّذِي لَا قَوْلَ لَهُ سَوَاءٌ مَا وَافَقَ الْحَدِيثَ , دُونَ مَا خَالَفَهُ وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ خِلَافَهُ فَقَدْ نَسَبَ إلَيْهِ خِلَافَ مَذْهَبِهِ , وَلَا سِيَّمَا إذَا ذَكَرَ هُوَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَهُ لِضَعْفٍ فِي سَنَدِهِ أَوْ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ يَثِقُ بِهِ , ثُمَّ ظَهَرَ لِلْحَدِيثِ سَنَدٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَصَحَّحَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ لَمْ تَبْلُغْهُ , فَهَذَا لَا يَشُكُّ عَالِمٌ وَلَا يُمَارِي فِي أَنَّهُ مَذْهَبُهُ قَطْعًا , وَهَذَا كَمَسْأَلَةِ الْجَوَائِحِ ; فَإِنَّهُ عَلَّلَ حَدِيثَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِأَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ الْجَوَائِحِ , وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ صِحَّةً لَا مِرْيَةَ فِيهَا وَلَا عِلَّةَ وَلَا شُبْهَةَ بِوَجْهٍ ; فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَضْعُ الْجَوَائِحِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ , وَأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ , وَأَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ , وَأَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ , وَهَذَا بِخِلَافِ الْفِطْرِ بِالْحِجَامَةِ , وَصَلَاةُ الْمَامُومِ قَاعِدًا إذَا صَلَّى إمَامُهُ كَذَلِكَ ; فَإِنَّ الْحَدِيثَ , وَإِنْ صَحَّ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ