إذَا اعْتَضَدَ بِقِيَاسٍ ضَعِيفٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ , فَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ إنْ جَعَلْنَا الْقِيَاسَ الضَّعِيفَ أَعَمَّ مِنْ قِيَاسِ التَّقْرِيبِ وَغَيْرِهِ , وَإِلَّا فَقَوْلٌ خَامِسٌ. وَخَصَّ الْمَاوَرْدِيُّ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِمَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ قَدَّمَ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ قَطْعًا وَخَصَّ الْقَدِيمَ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ , فَإِنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْقَدِيمِ. وَفِي كِتَابِ الرَّضَاعِ , فِي الْكَلَامِ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَدِ , حِكَايَةٌ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ تَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا حُجَّةٌ , فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ أَجَبْتُهُ مِنْ الْقُرْآنِ , فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا. فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ , فَقَالَ: أَيْنَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَذَكَرَ قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وَقَوْلُهُ عليه السلام: {اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ} وَقَدْ سُئِلَ عُمَرُ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَزِمَ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْ الشَّيْخَيْنِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ. وَمَذْهَبُهُ الْجَدِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. انْتَهَى. وَقَالَ السِّنْجِيُّ فِي أَوَّلِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ": قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ إذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ كَانَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهَا. وَهَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَقِيلَ: لَا , لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ عَلَى اللَّهِ بِصِحَّتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ كَافَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ , وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا الْجُعَلُ وَمَنْ تَابَعَهُ فَقَالُوا: لَا يَكُون حُجَّةً. قَالَ: فَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ: الْقَدِيمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ , وَالْجَدِيدُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى مِنْهُ وَقَالَ فِي الْقَوَاطِعِ": إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ. إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا: هَلْ الْحُجَّةُ فِي الْقِيَاسِ أَوْ فِي قَوْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَأَمَّا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ أَوْ كَانَ مَعَ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ , وَالْجَلِيُّ مُخَالِفٌ مِثْلَهُ , فَهَذَا مَوْضِعُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فَفِي الْقَدِيمِ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ , وَفِي الْجَدِيدِ: الْقِيَاسُ أَوْلَى. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ": إنْ انْتَشَرَ وَرَضُوا بِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا , وَهَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا؟ وَجْهَانِ. وَإِنْ انْتَشَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمْ الرِّضَا بِهِ فَوَجْهَانِ. وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى طَرِيقَيْنِ: (إحْدَاهُمَا) : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْجَدِيدُ - أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَ (الثَّانِيَةُ) : أَنَّهُ إنْ لَنْ يَنْتَشِرَ فِي الْبَاقِينَ فَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ , وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا عَارَضَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ فَحِينَئِذٍ قَوْلٌ خَفِيٌّ. انْتَهَى. وَقَالَ إلْكِيَا: إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ. فَإِذَا اخْتَلَفُوا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ. وَقِيلَ: يَحْتَجُّ بِأَقْوَالِهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَلَى تَقْدِيرِ اتِّبَاعِ قَوْلِ الْأَعْلَمِ مِنْهُمْ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ", لِأَنَّهُ جَوَّزَ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ وَقَالَ: إنْ اخْتَلَفُوا أَخَذَ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ أَوْ بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ بِذَلِكَ , وَرَجَّحَهُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لَهُ. قَالَ إلْكِيَا: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِفُوا أَوْ لَا , لِأَنَّ فَقْدَ مَعْرِفَةِ الْخِلَافِ لَا يَنْتَهِضُ إجْمَاعًا. .
وَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ , خِلَافٌ , رَأَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ جَوَازَهُ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وُجُوبُ ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَدِيمًا وَجَدِيدًا اتِّبَاعُ قَضَاءِ عُمَرَ - رضي الله عنه - فِي تَقْدِيرِ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ , وَتَغْلِيظِ الدِّيَةِ بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ اتِّبَاعًا لِآثَارِ الصَّحَابَةِ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ , فَقِيلَ: لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ اشْتَهَرَتْ وَسَكَتُوا وَذَلِكَ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ مِنْ حَيْثُ لَا مَحْمَلَ لَهُ سِوَى التَّوْقِيفِ. قَالَ: وَيَظْهَرُ هَذَا فِي التَّابِعِيِّ إذَا عَلِمَ مَسَالِكَ الْأَحْكَامِ وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْوَرَعِ لَا يَمِيلُ إلَى الْأَهْوَاءِ , إلَّا أَنْ يَلُوحَ لَنَا فِي مَجَارِي نَظَرِهِ فَسَادٌ فِي أَصْلٍ لَهُ عَلَيْهِ بَنَى مَا بَنَى. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا بِالْقِيَاسِ دُونَ مَا لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَجَالٍ , وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَبِهِ تُجْمَعُ