فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 129

وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ تَقْلِيدَهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مَا يُخَالِفُهُ وَيُعَضِّدُهُ ضَرْبٌ مِنْ الْقِيَاسِ. وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُقَوٍّ لِلْقِيَاسِ وَمُغَلِّبٌ لَهُ كَمَا يُغَلَّبُ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ. وَظَاهِرُ نَصِّ الرِّسَالَةِ الْمَذْكُورَةِ يَقْتَضِي تَسَاوِي الْقِيَاسَيْنِ , لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قِيَاسٍ وَقِيَاسٍ. نَعَمْ , قَوْلُهُ: وَلَا شَيْئًا فِي مَعْنَاهُ يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِهِ ظَاهِرٌ فِي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ , وَهُوَ مُسْتَنَدُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ. وَلَمَّا حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ"الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قِيَاسٌ أَصْلًا , فَإِنْ كَانَ مَعَ قَوْلِهِ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ فَقَوْلُهُ مَعَهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَجَمَاعَةٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدِي , لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الرُّجُوعُ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ بِانْفِرَادِهِ , وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الضَّعِيفُ , فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَ. ضَعِيفَانِ غَلَبَا الْقَوِيَّ؟ انْتَهَى. وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْقَفَّالِ حَكَاهُ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ"عَنْ الصَّيْرَفِيِّ , ثُمَّ خَطَّأَهُ , وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ"عَنْ حِكَايَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ قَوْلًا وَاحِدًا , ثُمَّ ضَعَّفَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْحَاوِي"عَنْ الْقَدِيمِ. لَكِنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ مَعَ الْجَلِيِّ , وَأَنَّ الْخَفِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْجَلِيِّ إذَا كَانَ مَعَ الْأَوَّلِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ , وَقَالَ: الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ أَوْلَى. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا فِي الْحَاوِي"فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ إذَا انْضَمَّ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ التَّحْقِيقِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ". قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ فِي الرِّسَالَةِ". وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا وَعَارَضَهُ الْقِيَاسُ الْقَوِيُّ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ كَانَ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى , لِقَضِيَّةِ عُثْمَانَ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ. وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ فَقَطْ وَقَدْ عَارَضَهُ الْقِيَاسُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: إنَّ قَوْلَهُ يُقَدَّمُ , لِعِلْمِهِ بِظَوَاهِرِ الْكِتَابِ , وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: أَوْلَى , وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالرُّجُوعِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى الْكِتَابِ , وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّهْوُ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ. لِأَنَّهُ لَا مَحْمَلَ لَهُ إلَّا التَّوَقُّفُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ وَالتَّحَكُّمَ فِي دِينِ اللَّهِ بَاطِلٌ فَيُعْلَمْ أَنَّهُ مَا قَالَهُ إلَّا تَوْقِيفًا. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ": وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. قَالَ: وَمَسَائِلُ الْإِمَامَيْنِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ - رضي الله عنهما - تَدُلُّ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ غَلَّظَ الدِّيَةَ بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ بِأَقْضِيَةِ الصَّحَابَةِ , وَقَدَّرَ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ بِقَوْلِ عُمَرَ , وَأَبَا حَنِيفَةَ قَدَّرَ الْجُعْلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا لِأَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِهِ"هُوَ أَشْبَهُ الْمَذَاهِبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: هَذَا الْمَذْهَبُ لَا يَخْتَصُّ الصَّحَابِيَّ , فَكُلُّ عَالِمٍ عَدْلٍ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ ظُنَّ بِهِ الْمُخَالَفَةُ لِلتَّوْقِيفِ. وَالظَّاهِرُ إصَابَتُهُ فِي شُرُوطِهِ. قُلْت: وَقَدْ طَرَدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِيهِ كَمَا سَيَاتِي. ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ هُوَ لَا يَخْتَصُّ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ الْمُخَالِفُ صَحَابِيًّا , فَيَجِبُ إذًا عَلَى الصَّحَابِيِّ الِاقْتِدَاءُ بِالصَّحَابِيِّ الْمُخَالِفِ لِلْقِيَاسِ. وَالْحَاصِلُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ , كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ , وَهُوَ مِنْ الْجَدِيدِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَّةٍ مُطْلَقًا , وَهُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ الْجَدِيدُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ قِيَاسٌ , فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى قِيَاسٍ لَيْسَ مَعَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ , كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ". ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ. وَتَقَدَّمَ فِي نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَنْهُ فِي قَوْلِ تَخْصِيصِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ بِتَقْدِيمِهِ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ ب"الْقِيَاسُ يُعْتَضَدُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ"الْقِيَاسَ الْخَفِيِّ , وَيَكُونُ فِيمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ قَوْلٌ رَابِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَصْلِهَا. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ: إذَا اعْتَضَدَ بِقِيَاسِ التَّقْرِيبِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ التَّحْقِيقِ. وَعَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت