فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 129

إلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ وَاحِدِهِمْ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا وَلَا شَيْئًا يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِهِ , أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ. هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ": حَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرَى فِي الْجَدِيدِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ إذَا عَضَّدَهُ الْقِيَاسُ. وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: نَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ مَعَهُ قِيَاسٌ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ , فَقَالَ: قَالَ فِي الْجَدِيدِ: إنَّهُ حُجَّةٌ إذَا اعْتَضَدَ بِضَرْبٍ مِنْ الْقِيَاسِ يَقْوَى بِمُوَافَقَتِهِ إيَّاهُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ"فِي بَابِ الْقَوْلِ فِي مَنْعِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالَمِ: إنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ , وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ , وَحَكَاهُ عَنْهُ الْمُزَنِيّ فَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: أَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ مَعَهُ قِيَاسٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ"فِي بَابِ الرِّبَا: عِنْدَنَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا كَانَ لَهُ قَوْلٌ وَكَانَ مَعَهُ قِيَاسٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَالْمُضِيُّ إلَى قَوْلِهِ أَوْلَى , خُصُوصًا إذَا كَانَ إمَامًا , وَلِهَذَا مَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ الْمَاكُولِ بِجِنْسِهِ وَغَيْرِهِ , لِأَثَرِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما , ثُمَّ قَالَ: وَفِي مَذْهَبِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى ثُمَّ الْأَخِيرَةَ ثُمَّ الْوُسْطَى أَعَادَ الْوُسْطَى وَلَمْ يُعِدْ الْأُولَى , وَهُوَ دَلِيلٌ فِي قَوْلِهِمْ عَلَى أَنَّ تَقْطِيعَ الْوُضُوءِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ , كَمَا فِي الْجَمْرَةِ. انْتَهَى. فَاسْتَدَلَّ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ الْمُعْتَضَدِ لِلْقِيَاسِ , وَهُوَ رَمْيُ الْجِمَارِ , وَعَلَى الْغُسْلِ أَيْضًا , كَمَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ. .

نَعَمْ , الْمُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْقِيَاسَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ , فَلَا مَعْنَى حِينَئِذٍ لِاعْتِبَارِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِيهِ , وَيُؤَوَّلُ حِينَئِذٍ هَذَا إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى انْفِرَادِهِ. وَلِهَذَا حَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْقِيَاسِ , أَوْ فِي قَوْلِهِ , بَعْدَ أَنْ قَطَعَ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: أَجَابَ أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسَانِ , فَيَكُونُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ مَعَ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ الْمُجَرَّدِ. قَالَ: وَهَذَا كَالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ , فَإِنَّهُ اجْتَذَبَهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا يُشْبِهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا عَلِمَهُ , فَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ فَمُمْتَنِعَةٌ. وَهَذَا الَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ الْحَيَوَانِ أَنْ يُوجِبَ قِيَاسًا آخَرَ , وَهُوَ أَنَّ الْحَيَوَانَ مَخْصُوصٌ بِمَا سِوَاهُ مِنْ حَيْثُ يُغْتَذَى بِالصِّحَّةِ وَالسُّقُمِ وَيُخْفِي عُيُوبَهُ , صَارَ إلَى تَقْلِيدِ عُثْمَانَ مَعَ هَذَا الْقِيَاسِ. وَالثَّانِي: كَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ: إنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ فَاسْتَحْسَنَ الْعِبَارَةَ فَقَالَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ مَعَهُ الْقِيَاسُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ حُجَّةٌ إذَا كَانَ مَعَهُ قِيَاسٌ , وَالْقِيَاسُ فِي نَفْسِهِ حُجَّةٌ وَحْدَهُ؟ قِيلَ: اجْتَذَبَ الْمَسْأَلَةَ وَجْهَانِ مِنْ الْقِيَاسِ قَوِيٌّ وَضَعِيفٌ , فَقَوِيَ الْقِيَاسُ الضَّعِيفُ بِقَوْلِ عُثْمَانَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَرَكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ الْقِيَاسَانِ عَنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ كَانَ إمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فَيَسْقُطَا , أَوْ يَصِحُّ أَحَدُهُمَا فَيَبْطُلُ الْآخَرُ. وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَعَ الصَّحِيحِ فَهُوَ تَاكِيدٌ لَهُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي ظَهَرَ خِلَافُهُ كَمَا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ قَوْلُهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ مَنْ لَمْ يُنْشَرْ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ فَكَانَ أَدْوَنُ هَذِهِ الْمَنَازِلِ إذَا عَضَّدَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاءِ مُلْحَقَةً بِمَنْزِلَةِ الشَّبَهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّبَهُ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً. فَأَمَّا أَوْلَى الْقِيَاسَيْنِ فَلَا يَسْلَمُ مِنْ مُعَارَضَةِ مَا تَبْطُلُ مَعَهُ دَلَالَتُهُ وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَا مُخَالِفَ لَهُ مُقْتَرِنًا بِالشَّبَهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي الدَّلَائِلِ": مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَّةٍ , أَنَّهُ إذَا تَجَاذَبَ الْمَسْأَلَةُ أَصْلَانِ مُحْتَمَلَانِ يُوَافِقُ أَحَدُهُمَا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ , فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الَّذِي مَعَهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى فِي هَذَا عَلَى التَّقْوِيَةِ وَأَنَّهُ أَقْوَى الْمَذْهَبَيْنِ فَلَا يُغْلَطُ عَلَى الشَّافِعِيِّ. هَذَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت