فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 129

مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أُلْزِمُوا بِلِبَاسٍ غَيْرِ لِبَاسِهِمْ الْمُعْتَادِ وَزِيٍّ غَيْرِ زِيِّهِمْ الْمَالُوفِ فَحَصَلَ لَهُمْ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْفَلَوَاتِ وَتَجَرَّأَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ السُّفَهَاءُ وَالرُّعَاةُ وَآذَوْهُمْ غَايَةَ الْأَذَى , فَطُمِعَ بِذَلِكَ فِي إهَانَتِهِمْ , وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ , فَهَلْ يَسُوغُ لِلْإِمَامِ رَدُّهُمْ إلَى زِيِّهِمْ الْأَوَّلِ , وَإِعَادَتُهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِ التَّمَيُّزِ بِعَلَامَةٍ يُعْرَفُونَ بِهَا؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَهُمْ مَنْ مُنِعَ التَّوْفِيقَ وَصُدَّ عَنْ الطَّرِيقِ بِجَوَازِ ذَلِكَ , وَأَنَّ لِلْإِمَامِ إعَادَتَهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُنَا: فَجَاءَتْنِي الْفَتْوَى , فَقُلْت: لَا تَجُوزُ إعَادَتُهُمْ , وَيَجِبُ إبْقَاؤُهُمْ عَلَى الزِّيِّ الَّذِي يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ , فَذَهَبُوا ثُمَّ غَيَّرُوا الْفَتْوَى , ثُمَّ جَاءُوا بِهَا فِي قَالَبٍ آخَرَ , فَقُلْت: لَا تَجُوزُ إعَادَتُهُمْ , فَذَهَبُوا ثُمَّ أَتَوْا بِهَا فِي قَالَبٍ آخَرَ , فَقُلْت: هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُعَيَّنَةُ , وَإِنْ خَرَجَتْ فِي عِدَّةِ قَوَالِبَ , ثُمَّ ذَهَبَ إلَى السُّلْطَانِ وَتَكَلَّمَ عِنْدَهُ بِكَلَامٍ عَجِبَ مِنْهُ الْحَاضِرُونَ , فَأَطْبَقَ الْقَوْمُ عَلَى إبْقَائِهِمْ , وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى ; فَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَوْلِيَائِهِ أَنْ صَوِّرُوا فَتْوَى فِيمَا يَحْدُثَ لَيْلَةَ النِّصْفِ فِي الْجَامِعِ , وَأَخْرَجُوهَا فِي قَالَبٍ حَسَنٍ ; حَتَّى اسْتَخْفَوْا عَقْلَ بَعْضِ الْمُفْتِينَ , فَأَفْتَاهُمْ بِجَوَازِهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ , كَمْ تُوُصِّلَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ وَإِثْبَاتِ بَاطِلٍ , وَأَكْثَرُ النَّاسِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ ظَوَاهِرَ فِي الْكَلَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْأَفْعَالِ , وَأَهْلُ النَّقْدِ مِنْهُمْ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى حَقِيقَتِهِ وَبَاطِنِهِ , لَا يَبْلُغُونَ عُشْرَ مِعْشَارِ غَيْرِهِمْ وَلَا قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ , فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

[عَلَى الْمُفْتِي أَلَّا يُفَصِّلَ إلَّا حَيْثُ يَجِبُ التَّفْصِيلُ] الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْفَرَائِضِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَوَانِعَ الْإِرْثِ فَيَقُولُ: بِشَرْطِ أَلَا يَكُونَ كَافِرًا وَلَا رَقِيقًا وَلَا قَاتِلًا , وَإِذَا سُئِلَ عَنْ فَرِيضَةٍ فِيهَا أَخٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ لِأَبٍ فَلَهُ كَذَا , وَإِنْ كَانَ لِأُمٍّ فَلَهُ كَذَا , وَكَذَلِكَ إذَا سُئِلَ عَنْ الْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ وَبَنِي الْإِخْوَةِ وَعَنْ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ السُّؤَالَ الْمُطْلَقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَدُلُّ عَلَى الْوَارِثِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ , كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ أَوْ آجَرَ أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ أَقَرَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَوَانِعَ الصِّحَّةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِكْرَاهِ وَنَحْوِهِمَا إلَّا حَيْثُ يَكُونُ الِاحْتِمَالُ مُتَسَاوِيًا. وَمَنْ تَأَمَّلَ أَجْوِبَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَآهُ يَسْتَفْصِلُ حَيْثُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِفْصَالِ وَيَتْرُكُهُ حَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ , وَيُحِيلُ فِيهِ مَرَّةً عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ شَرْعِهِ وَدِينِهِ مِنْ شُرُوطِ الْحُكْمِ وَتَوَابِعِهِ , بَلْ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وَقَوْلِهِ: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وقوله تعالى {: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يَسْتَوْعِبَ شَرَائِطَ الْحُكْمِ وَمَوَانِعَهُ كُلَّهَا عِنْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ , وَلَا يَنْفَعُ السَّائِلَ وَالْمُتَكَلِّمَ وَالْمُتَعَلِّمَ قَوْلُهُ"بِشَرْطِهِ , وَعَدَمِ مَوَانِعِهِ"وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَلَا بَيَانَ أَتَمَّ مِنْ بَيَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَلَا هَدْيَ أَكْمَلَ مِنْ هَدْيِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[هَلْ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ؟] الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ قَلَّدَهُ دِينَهُ , هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ السَّلَفِ كُلِّهِمْ , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ رضي الله عنهما وَغَيْرُهُمَا. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: قَطَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ إمَامُ الشَّافِعِيِّينَ بِمَا وَرَاءَ النَّهَرِ وَالْقَاضِي أَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ صَاحِبُ بَحْرِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ. وَقَالَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ لِرِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ حَفِظَ كَلَامَ صَاحِبِ مَذْهَبٍ , وَنُصُوصَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ , وَخَالَفَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا فِيهِ عَالِمًا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ , كَمَا لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت