الصَّحَابِيِّ. الْخَامِسَةُ: أَنْ يَقُولَ:"كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا"فَإِنْ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ الرَّسُولِ عليه السلام فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَكَتَ عَلَيْهِ دُونَ مَا لَمْ يُبَلِّغْهُ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ , وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: {كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَقُولُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ فَيَبْلُغُ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا يُنْكِرُهُ} وَقَالَ: {كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَعْدَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ} الْحَدِيثَ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: {كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ بُرٍّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرَةِ} وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: {كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ} . وَأَمَّا قَوْلُ التَّابِعِيِّ:"كَانُوا يَفْعَلُونَ"لَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَلْ عَلَى الْبَعْضِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ , إلَّا أَنْ يُصَرَّحَ بِنَقْلِهِ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ نَقْلًا لِلْإِجْمَاعِ وَفِي ثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَلَامٌ سَيَاتِي فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدَّمَةِ مَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمَا لَيْسَ خَبَرًا عَنْهُ. وَالْآنَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ طُرُقِ انْتِهَاءِ الْخَبَرِ إلَيْنَا , وَذَلِكَ إمَّا بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ أَوْ الْآحَادِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: الْحُجَّةُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُعْتَبَرُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَا أَرَادَ الْمُحَصِّلُونَ بِهَذَا إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ قَدْ جَمَعْت فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ , فَإِنْ أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الْجَامِعَةُ لَهُمْ فَمُسَلَّمٌ لَهُ ذَلِكَ لَوْ جَمَعَتْ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْمَكَانِ فِيهِ تَاثِيرٌ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسَلَّمٍ بَلْ لَمْ تَجْمَعْ الْمَدِينَةُ جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ لَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَلَا بَعْدَهَا بَلْ مَا زَالُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْأَسْفَارِ وَالْغَزَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ , فَلَا وَجْهَ لِكَلَامِ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُونَ وَالْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَقَدْ أَفْسَدْنَاهُ , أَوْ يَقُولَ يَدُلُّ اتِّفَاقُهُمْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ أَنَّهُمْ اسْتَنَدُوا إلَى سَمَاعٍ قَاطِعٍ فَإِنَّ الْوَحْيَ النَّاسِخَ نَزَلَ فِيهِمْ فَلَا تَشِذُّ عَنْهُمْ مَدَارِكُ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا تَحَكُّمٌ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْمَعَ غَيْرُهُمْ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ أَوْ فِي الْمَدِينَةِ لَكِنْ يَخْرُجُ مِنْهَا قَبْلَ نَقْلِهِ , فَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ. وَقَدْ تُكُلِّفَ لِمَالِكٍ تَاوِيلَاتٌ وَمَعَاذِيرُ اسْتَقْصَيْنَاهَا فِي كِتَابِ"تَهْذِيبِ الْأُصُولِ"وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا هَهُنَا. وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِثَنَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى أَهْلِهَا , وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِمْ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِمْ لِسُكْنَاهُمْ الْمَدِينَةَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْإِجْمَاعِ بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: الْحُجَّةُ فِي اتِّفَاقِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَهُوَ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَّا مَا تَخَيَّلَهُ جَمَاعَةٌ فِي أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ , وَسَيَاتِي فِي مَوْضِعِهِ.
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ دَاوُد وَشِيعَتُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ. وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الثَّلَاثَةَ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً , أَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْعَقْلَ , لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ عَصْرٍ وَعَصْرٍ. فَالتَّابِعُونَ إذَا أَجْمَعُوا فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ , وَمَنْ خَالَفَهُمْ فَهُوَ سَالِكٌ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ. وَيَسْتَحِيلُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ أَنْ يَشِذَّ الْحَقُّ عَنْهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ عِنْدَ مَنْ يَاخُذُهُ مِنْ الْعَادَةِ. وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ , أَضْعَفُهُمَا قَوْلُهُمْ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْآيَةِ , وَهُوَ قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يَتَنَاوَلُ الَّذِينَ نُعِتُوا بِالْإِيمَانِ وَهُمْ الْمَوْجُودُونَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ , فَإِنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُوصَفُ بِالْإِيمَانِ وَلَا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ وَقَوْلُهُ عليه السلام: {لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ} يَتَنَاوَلُ أُمَّتَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَتُصُوِّرَ إجْمَاعُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ وَهُمْ الْمَوْجُودُونَ. وَهَذَا بَاطِلٌ ; إذْ يَلْزَمُ عَلَى مَسَاقِهِ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَحَمْزَةَ وَمَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ , فَإِنَّ إجْمَاعَ مَنْ وَرَاءَهُمْ لَيْسَ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلِّ الْأُمَّةِ , وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَكَمُلَتْ آلَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا وَإِيَّاهُمْ وَالصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّ مَوْتَ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يَحْسِمُ بَابَ الْإِجْمَاعِ , بَلْ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ