فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 129

الْقَاضِي: لَا تَرْجِيحَ إلَّا بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ , وَلَا يَقْوَى الدَّلِيلُ بِمَصِيرِ مُجْتَهِدٍ إلَيْهِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَرُبَّمَا يَتَعَارَضُ ظَنَّانِ وَالصَّحَابِيُّ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَتَمِيلُ نَفْسُ الْمُجْتَهِدِ إلَى مُوَافَقَةِ الصَّحَابِيِّ , وَيَكُونُ ذَلِكَ أَغْلَبَ عَلَى ظَنِّهِ , وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ قِيَاسِ الْمَصِيرِ إذَا كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ فِي وَاقِعَةٍ شَاهَدَهَا الصَّحَابِيُّ , وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَهَذَا قَرِيبٌ , وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصِيرُهُ إلَيْهِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِمُشَاهَدَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ. أَمَّا إذَا حَمَلَ الصَّحَابِيُّ لَفْظَ الْخَبَرِ عَلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مِنْ رَجَّحَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إذَا لَمْ يَقُلْ: عَلِمْت ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِقَرِينَةٍ شَاهَدْتُهَا فَلَا تَرْجِيحَ بِهِ , وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ الْقِيَاسَ فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ فِي الْحَرَمِ بِقَوْلِ عُثْمَانَ , وَكَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ فِي شَرْطِ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ؟ قُلْنَا لَهُ: فِي مَسْأَلَةِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ أَقْوَالٌ , فَلَعَلَّ هَذَا مَرْجُوعٌ عَنْهُ , وَفِي مَسْأَلَةِ التَّغْلِيظِ الظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ قَوَّى الْقِيَاسَ بِمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَمَذْهَبُهُ فِي الْأُصُولِ أَنْ لَا يُقَلِّدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُمُومُ. لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالدَّلِيلِ إمَّا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَخْصِيصِ قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} , وَ {يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} , وَ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} , وَ {أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} وَقَوْلِهِ: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} , وَ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} , وَ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} , وَ {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} {وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ} فَإِنَّ جَمِيعَ عُمُومَاتِ الشَّرْعِ مُخَصَّصَةٌ بِشُرُوطٍ فِي الْأَصْلِ , وَالْمَحَلِّ , وَالسَّبَبِ وَقَلَّمَا يُوجَدُ عَامٌّ لَا يُخَصَّصُ مِثْلُ قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعُمُومِ. , وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُمُومُ أَنْوَاعٌ عَشَرَةٌ: الْأَوَّلُ دَلِيلُ الْحِسِّ , وَبِهِ خُصِّصَ قوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} فَإِنَّ مَا كَانَ فِي يَدِ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا , وَهُوَ شَيْءٌ. وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} خَرَجَ مِنْهُ السَّمَاءُ , وَالْأَرْضُ , وَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ بِالْحِسِّ. الثَّانِي: دَلِيلُ الْعَقْلِ , وَبِهِ خُصِّصَ قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} إذْ خَرَجَ عَنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ إذْ الْقَدِيمُ يَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ وَكَذَلِكَ قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} خَرَجَ مِنْهُ الصَّبِيُّ , وَالْمَجْنُونُ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفِ مَنْ لَا يَفْهَمُ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا , وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى أَدِلَّةِ السَّمْعِ , وَالْمُخَصِّصُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا , وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ , وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ؟ قُلْنَا: قَالَ قَائِلُونَ: لَا يُسَمَّى دَلِيلُ الْعَقْلِ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْحَالِ , وَهُوَ نِزَاعٌ فِي عِبَارَةٍ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الْأَدِلَّةِ مُخَصِّصَةً تَجَوُّزٌ , فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مُحَالٌ لَكِنَّ الدَّلِيلَ يُعَرِّفُ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ , وَأَنَّهُ أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْعُمُومِ مَعْنًى خَاصًّا , وَدَلِيلُ الْعَقْلِ يَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} نَفْسَهُ , وَذَاتَهُ , فَإِنَّهُ , وَإِنْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ الْعَقْلِ فَهُوَ مَوْجُودٌ أَيْضًا عِنْدَ نُزُولِ اللَّفْظِ , وَإِنَّمَا يُسَمَّى مُخَصِّصًا بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ لَا قَبْلَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَجُوزُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ , فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ اللِّسَانِ , وَلَكِنْ يَكُونُ قَائِلُهُ كَاذِبًا , وَلَمَّا وَجَبَ الصِّدْقُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ مَعَ شُمُولِ اللَّفْظِ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ. الثَّالِثُ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ , وَيُخَصَّصُ بِهِ الْعَامُّ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ , وَالْعَامُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ , وَلَا تَقْضِي الْأُمَّةُ فِي بَعْضِ مُسَمَّيَاتِ الْعُمُومِ بِخِلَافِ مُوجَبِ الْعُمُومِ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ بَلَغَهُمْ فِي نَسْخِ اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ أَوْ فِي عَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْإِرَادَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْعُمُومِ , وَالْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ الْخَاصِّ لِأَنَّ النَّصَّ الْخَاصَّ مُحْتَمَلٌ نَسْخُهُ , وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ , فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ. الرَّابِعُ: النَّصُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت