فَيَكُونُ هَذَا اسْتِعْمَالَ الرَّايِ فِي إزَالَةِ التَّرَدُّدِ وَهُوَ نَظِيرُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ وَمَعْرِفَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالتَّقْدِيرِ فِي النَّفَقَةِ , فَإِنَّ لِلرَّايِ مَدْخَلًا فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ دَفْعِ الْمَالِ إلَى السَّفِيهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . وَقَالَ {وَلَا تَاكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} فَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ الْكِبَرِ عَلَى وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ مَعَهُ بِنَوْعٍ مِنْ الرُّشْدِ وَذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالرَّايِ فَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله ذَلِكَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ; لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَصِيرَ جَدًّا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ , وَمَنْ صَارَ فَرْعُهُ أَصْلًا فَقَدْ تَنَاهَى فِي الْأَصْلِيَّةِ نَتَيَقَّنُ لَهُ بِصِفَةِ الْكِبَرِ وَنَعْلَمُ إينَاسَ رُشْدٍ مَا مِنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَلَغَ أَشُدَّهُ , فَإِنَّهُ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْأَشُدِّ الْمَذْكُورِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ إنَّهُ هَذِهِ الْمُدَّةُ وَكَذَلِكَ مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رحمهما الله , فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ النَّفْيِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ لَا مَحَالَةَ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ النَّفْيِ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ , فَإِنَّمَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيمَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ الْمُدَّةِ فَاعْتُبِرَ الرَّايُ فِيهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ النِّفَاسِ فَأَمَّا حُكْمُ طَهَارَةِ الْبِئْرِ بِالنَّزْحِ , فَإِنَّمَا عَرَفْنَا بِآثَارِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ فَتْوَى عَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنهما فِي ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنْ النَّزْحِ وَالْكَثِيرِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلرَّايِ مَدْخَلًا فِي مَعْرِفَتِهِ كَذَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رحمه الله (قَوْلُهُ) فَوَجْهُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ كَذَا تَمَسَّكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمْ الْفَتْوَى بِالرَّايِ ظُهُورًا لَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ , وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي اجْتِهَادِهِمْ ثَابِتٌ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَعْصُومِينَ عَنْ الْخَطَأِ كَسَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ فَكَانَ قَوْلُهُمْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ كَقَوْلِ غَيْرِهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَأِ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَرْجِعُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ فَتْوَاهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ وَكَانُوا لَا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى أَقْوَالِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلْخَطَأِ لَمَا جَازَ لَهُمْ الْمُخَالَفَةُ بِآرَائِهِمْ وَلَوَجَبَ عَلَيْهِمْ دُعَاءُ النَّاسِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَمُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ حَرَامٌ وَالدَّعْوَةُ إلَيْهِ وَاجِبَةٌ كَالدَّعْوَةِ إلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ , فَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ فَثَبَتَ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِيهِ ثَابِتٌ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مُحْتَمِلًا لِلْخَطَأِ لَمْ يَجُزْ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ أَيْ تَقْلِيدُ مِثْلِ الصَّحَابِيِّ وَتَرْكُ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ حَدِيثٍ عِنْدَهُ , فَإِنْ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى أَصْلٍ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ , وَذَلِكَ الْأَصْلُ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فَرْعُ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَيَتْبَعُونَهُ لَا فَرْعُ أَصْلٍ آخَرَ فَيُخَالِفُونَهُ. وَإِنْ كَانَ عَنْ حَدِيثٍ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَأَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْحَدِيثِ وَبِدُونِ الْبَاقِي يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ وَحُكْمُهُ فَلَا يَتْرُكُ الْحُجَّةَ بِالِاحْتِمَالِ وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ لِكَوْنِهِمْ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِمُشَاهَدَتِهِمْ التَّنْزِيلَ وَسَمَاعِهِمْ التَّاوِيلَ وَوُقُوفِهِمْ عَلَى أَحْوَالِ النَّبِيِّ عليه السلام وَمُرَادِهِ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ إذْ لَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ (بَلْ وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ) جَوَابٌ عَمَّا تَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ عليه السلام: {أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ} فَقَالَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي الْجَرْيِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مِنْ أَخْذِهِمْ الْحُكْمَ مِنْ الْكِتَابِ أَوَّلًا ثُمَّ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ اسْتِعْمَالُ الرَّايِ وَالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ لَا تَقْلِيدُهُمْ فِي أَقْوَالِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عليه السلام شَبَّهَهُمْ بِالنُّجُومِ , وَإِنَّمَا يُهْتَدَى بِالنُّجُومِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا أَنَّ نَفْسَ النَّجْمِ يُوجِبُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ هَذَا