فهرس الكتاب
كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ , وَأَوْلَى بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى , فَهُمْ أَكْمَلُ يَقِينًا , وَأَعْظَمُ صَبْرًا مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ , فَهُمْ أَوْلَى بِمَنْصِبِ هَذِهِ الْإِمَامَةِ , وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ بِلَا شَكٍّ بِشَهَادَةِ اللَّهِ لَهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ , وَشَهَادَةِ الرَّسُولِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ , وَأَنَّهُمْ خِيرَةُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ , وَمِنْ الْمُحَالِ عَلَى مَنْ هَذَا شَانُهُمْ أَنْ يُخْطِئُوا كُلُّهُمْ الْحَقَّ , وَيَظْفَرَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ , وَلَوْ كَانَ هَذَا مُمْكِنًا لَانْقَلَبَتْ الْحَقَائِقُ , وَكَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَئِمَّةً لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ إلَى فَتَاوِيهِمْ , وَأَقْوَالِهِمْ , وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مُحَالٌ حِسًّا وَعَقْلًا فَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قوله تعالى {: وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا} , وَإِمَامٌ بِمَعْنَى قُدْوَةٍ , وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالْأُمَّةِ وَالْأُسْوَةِ , وَقَدْ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ آمِمٍ كَصَاحِبِ وَصِحَابٍ وَرَاجِلٍ وَرِجَالٍ وَتَاجِرٍ وَتُجَّارٍ , وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَقِتَالٍ وَضِرَابٍ , أَيْ ذَوِي إمَامٍ , وَالصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ , فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَاتَمَّ بِهِمْ , وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ , وَالِائْتِمَامُ بِهِمْ وَاجِبٌ , وَمُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ مُخَالِفٌ لِلِائْتِمَامِ بِهِمْ , وَإِنْ قِيلَ"نَحْنُ نَاتَمُّ بِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَأُصُولِ الدِّينِ"فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ جَوَابِ هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ قَالَ: {خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ قَرْنَهُ مُطْلَقًا , وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُمْ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ , إلَّا لَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ , فَلَا يَكُونُونَ خَيْرَ الْقُرُونِ مُطْلَقًا , فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ وَسَائِرُهُمْ لَمْ يُفْتُوا بِالصَّوَابِ - , وَإِنَّمَا ظَفَرَ بِالصَّوَابِ مَنْ بَعْدَهُمْ , وَأَخْطَئُوا هُمْ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَرْنُ خَيْرًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ; لِأَنَّ الْقَرْنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الصَّوَابِ خَيْرٌ مِنْ الْقَرْنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ , ثُمَّ هَذَا يَتَعَدَّدُ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ ; لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ"قَوْلُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ"يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَصَابَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَالَ فِيهَا الصَّحَابِيُّ قَوْلًا , وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ , وَفَاتَ هَذَا الصَّوَابُ الصَّحَابَةَ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَاتِي فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ تَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ , فَكَيْفَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَقَدْ امْتَازَ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ بِالصَّوَابِ فِيمَا يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَضِيلَةَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ الصَّوَابِ أَكْمَلُ الْفَضَائِلِ , وَأَشْرَفُهَا , فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ , أَيُّ وَصْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الصِّدِّيقُ أَوْ الْفَارُوقُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَوْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ , وَأَضْرَابُهُمْ رضي الله عنهم قَدْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَنَّهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ , وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَشْتَمِلْ قَرْنُهُمْ عَلَى نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ حَتَّى تَبِعَ مَنْ بَعْدَهُمْ فَعَرَفُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي جَهِلَهُ أُولَئِكَ السَّادَةُ , وَأَصَابُوا الْحَقَّ الَّذِي أَخْطَأَهُ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةُ؟ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ,. الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: {صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ , فَجَلَسْنَا , فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَك الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَك الْعِشَاءَ , قَالَ: أَحْسَنْتُمْ , وَأَصَبْتُمْ وَرَفَعَ رَاسَهُ إلَى السَّمَاءِ , وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَاسَهُ إلَى السَّمَاءِ , فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ , فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ , وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي , فَإِذَا ذَهَبْت أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ , وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي , فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ جَعَلَ نِسْبَةَ أَصْحَابِهِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَنِسْبَتِهِ إلَى أَصْحَابِهِ , وَكَنِسْبَةِ النُّجُومِ إلَى السَّمَاءِ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ يُعْطِي مِنْ وُجُوبِ اهْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِهِمْ مَا هُوَ نَظِيرُ اهْتِدَائِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم وَنَظِيرُ اهْتِدَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالنُّجُومِ , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ بَقَاءَهُمْ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَمَنَةً لَهُمْ , وَحِرْزًا مِنْ الشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ , فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الظَّافِرُونَ بِالْحَقِّ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ وَحِرْزًا لَهُمْ , وَهَذَا مِنْ الْمُحَالِ.