في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى فيحتاجون إلى التذكير والتحذير .. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق- حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم- ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل )) [1] .
ويظهر أثر هذه الفطرة عند الكفار والمشركين عندما تحيط بهم الشدائد والكرب فلا يجدوا ملجًا إلاّ إلى الله سبحانه وتعالى، كما ذكر ذلك سبحانه عزّ شأنه بقوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [2] .
يقول سيد قطب: (( فهم إذا ركبوا في الفلك وأصبحوا على وجه اليم كاللعبة تتقاذفها الأمواج لم يذكروا إلا الله. ولم يشعروا إلا بقوة واحدة يلجأون إليها هي قوة الله. ووحدوه في مشاعرهم وعلى ألسنتهم سواء وأطاعوا فطرتهم التي تحس وحدانية الله: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ونسوا وحي الفطرة المستقيم ونسوا دعاءهم لله وحده مخلصين له الدين وانحرفوا إلى الشرك بعد الإقرار والتسليم ) ) [3] .
وفي السنة النبوية المطهرة جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ
(1) (( في ظلال القرآن، مرجع سابق، 3/ 1391.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 65.
(3) في ظلال القرآن، مرجع سابق، 5/ 2751.