فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 494

وَعِلْمًا قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: من الآية 156) ، وثبت في الأحاديث أن لله مائة رحمة أنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة، وادّخر عنده تسعة وتسعين رحمة، وإذا كان يوم القيامة ضم تلك الرحمة إلى التسعة والتسعين، ورحم عباده بها، هذا معناه لا لفظه، وهو حديث صحيح [1] .

{وَعِلْمًا} أي ووسعت كل شيء علمًا، أي أحاط علمك بكل شيء {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} (البقرة: من الآية 255) {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ} (سبأ: من الآية 3) وقُدّمت الرحمة هنا لأنها المقصودة بالذات [2] ، وتحقيق الآية: أن رحمته وعلمه هما اللذان وسعا كل شيء، والأصل: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، لكنه أرسل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز؛ للإغراق في وصفه تعالى بالرحمة والعلم كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء [3] .

(1) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب جعل الله الرحمة مائة جزء 4/ 1899 (6000) ، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه 17/ 58 (2752) ، ولفظ البخاري: (جَعلَ اللّهُ الرحمةَ في مائة جزء، فأمسكَ عندهُ تسعةً وتسعينَ جُزءًا، وأنزل في الأرض جُزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفع الفرسُ حافِرَها عن ولدها خشية أَن تصيبه) .

(2) من قوله:"يعلم ما بين أيديهم ..."إلى هنا جاء ملحقًا بالحاشية، وعليه:"صح".

(3) هذا الكلام الذي يبدو أنه منقول عن الزمخشري وهو في كشافه بنصه 4/ 148، وقد درج فيه على مذهبه الباطل من التفريق بين الصفة والموصوف؛ فالمعتزلة ينفون الصفات عن الله عز وجل، ففي صفة العلم مثلًا يقولون هو عالم بذاته -أي ليس عالم بعلمه- وهكذا في بقية الصفات، ولذا قال الزمخشري:"كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء"، وقال:"الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء". وهذا كله فرارٌ من إثبات الصفات له سبحانه وتعالى، وأما أهل السنة فيقولون: هو عالم بعلم هو صفة له، فيثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق به، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: من الآية 11) وأما قول أئمة التفسير من أهل السنة والجماعة في تفسير هذه الآية أعني قوله تعالى: {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} فيقولون: إن علم الله محيط بالأشياء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن رحمته تبلغ حيث يبلغ علمه، فوسعت رحمته وعلمه كلَّ شيء من خلقه، فعلم كل شيء ولم يخف عليه شيء، ورحم خلقه ووسعهم برحمته. انظر: تفسير الطبري 24/ 53، وتفسير ابن كثير 4/ 109، وشرح الطحاوية لابن أبي العز ص 98، وشرح الواسطية للهراس ص 95.

هذا ولابن القيم رحمه الله توضيح حول هذه المسألة فيقول في بدائع الفوائد 2/ 255:"سعت رحمته عموم تعلقها بكل شيء، كما أن سعت علمه عموم تعلقه بكل معلوم". والله أعلم وأحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت