فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 494

لمن استحق النار من المؤمنين -وإن كان سيخرج منها- أن يتجاوز الله عنه وينجيه من دخول النار رأسًا، {وَذَلِكَ} أي كل ما ذكر {هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} (آل عمران: من الآية 185) ثم أخذ تعالى في الإخبار عن الكفار بعد دخولهم النار فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ} وهم في طبقات جهنم وقد مقتوا أنفسهم الأمَّارةِ بالسوء، التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها، أي أبغضوها أشد البغض، وأنكروها أبلغ الإنكار، يقال لهم عند ذلك: {لَمَقْتُ اللَّهِ} إياكم في الدنيا {أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ} الآن في النار {أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ} تدعوكم الرسل {إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} اتباعًا لأنفسكم [ل 137/ب] الأمَّارَةِ بكل سوء.

أخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: مقتوا أنفسهم لما دخل المؤمنون الجنة، وأُدخلوا النار، فأكلوا أناملهم من المقت، قال: ينادون في النار: {لمقت الله} إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون {أكبر من مقتكم أنفسكم} في النار [1] .

{قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} الموتة الأولى: خروجهم من الدنيا، والموتة الثانية: الإماتة في القبر بعد إحيائهم للسؤال {وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} الحياة في القبر والحياة للحشر، هذا هو الواضح في تفسير ذلك [2] .

(1) عزاه لعبد بن حميد: السيوطي في الدر المنثور 5/ 649، ولم أعثر على إسناده

(2) هذا هو اختيار المؤلف رحمه الله، وقد قال به بعض العلماء، كالسدي وغيره، انظر: تفسير القرطبي 15/ 285، وتفسير ابن كثير 1/ 103، وقد ذهب الطبري في تفسيره 1/ 217، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 4/ 275، وتلميذه ابن القيم في كتابه الروح ص 51، وجمع غفير من العلماء، إلى أن هذه الآية مفسرة بآية البقرة {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة: 28) فالموتة الأولى هي ما قبل الحياة، والموتة الثانية عند مفارقة هذه الحياة، والحياة الأولى هذه التي نحن فيها، والحياة الثانية بعد الموت، وهذا هو الراجح، وهو الذي اختاره ابن كثير في تفسيره ورجحه، انظر: تفسير ابن كثير 1/ 103، واختاره الإمام الشنقيطي في أضواء البيان 7/ 46، وهو قول ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم كما في تفسير الطبري 1/ 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت